فيكون المعنى هنا كعرض السماء والأرض تصديقه ما في سورة الحديد من قوله
وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
[ الحديد : 21 ] .
( فإن قيل ) : فما وجه من منع حمل العرض على العرض الذي هو ضد الطول ؟
( فالجواب ) : وجهه أنه جعل حكم ذلك حكم من نظر منا إلى هذه السماء أليس يرى قدر وسعها بعينه ومعلوم أن محل الإدراك من العين هو تلك اللعبة الصغيرة التي هي مقدار عدسة فعلى هذا يكون نسبة عرض الجنة إلى عرض السماوات نسبة هذا الربع مثلا من السماء إلى لعبة عينك وأن الذي قدر على بناء الجمال والفيلة العظام على قوائمهن الصغار وقدر على بناء طلل الإنسان على قدميه الصغيرين لا يعجز عن بناء الجنة بسمتها على السماء التي تصغر في جنبها إذ السماء كالعمود تحت سقف بيت واسع . قال الشيخ أبو طاهر القزويني : واعلم أن سماوات الجنة عدد درجها هي مائة وأعلاها هو ما دلت عليه الأخبار وهو ساق العرش ففي الحديث مرفوعا « الجنة مائة درجة ما بين كل درجة والأخرى ما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها » ومنها تنفجر أنهار الجنة وعليها يوضع العرش يوم القيامة وأما أرضها فتنتهي إلى سدرة المنتهى قوله عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى وسدرة المنتهى فوق السماوات السبع على ما جاء في الأحاديث وفي بعض الروايات عن ابن عباس : أن الجنة في جوف الكرسي هذا ما بلغنا من سماء الجنة وأرضها واللّه أعلم ، قال ولا يكون في الجنة شمس ولا قمر كما قال تعالى
لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً
[ الإنسان : 13 ] قيل معناه ولا قمرا وقيل حرا ولا بردا وإنما يكون بدل الشمس والقمر أنوار طالعة من سرادقات العرش وهي الأنوار التي يكسى بعضها شمسنا هذه
شرح
في نفسه ولا يمشي أحد عليه في نور أحد نسأل اللّه اللطف ، ثم يؤتى بمنابر من نور مختلفة في الإضاءة واللون فتنصب في تلك الأرض ويؤتى بالأنبياء يقومون فيقعون عليها قد غشيتهم الأنوار لا يعرفهم أحد في رحمة إلى الأبد عليهم من الخلع الإلهية ما تقر به أعينهم ويأتي كل إنسان معه قرينه من الشياطين والملائكة وتنشر الألوية ذلك اليوم للسعداء والأشقياء بأيدي أئمتهم الذين كانوا يدعونهم إلى الحق أو الباطل وتجتمع كل أمة إلى رسولها من آمن منهم ومن كفر ، وتحشر الأفراد والأنبياء بمعزل من الناس بخلاف الرسل فإنهم أصحاب العساكر فلهم مقام يخصهم ، وقد عين اللّه عز وجل في هذه الأرض بين يدي عرض الفصل والقضاء مرتبة عظمى امتدت من الوسيلة التي في الجنة تسمى المقام المحمود وهو لمحمد صلى اللّه عليه وسلم خاصة ، ويأتي ملائكة كل سماء على حدة متميزة عن غيرها فتكون سبع صفوف أهل كل سماء صف والروح قائم مقدم الجماعة وهو الملك الذي نزل بالشرائع على الرسل ، ثم يؤتى بالكتب المنزلة والصحف المكرمة وخلف كل كتاب من نزل من أجلهم فيمتازون عن أصحاب الفترات وعمن تعبد نفسه بكتاب لم ينزل من أجله وإنما دخل فيه وترك ناموسه لكونه من عند اللّه وكان ناموسه عن نظر فكري من عاقل مهدي ، ثم يأتي اللّه عز وجل على عرشه وملائكته الثمانية تحمله