تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر ) — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١
كما أن سمعه من غير صمخة ولا آذان ، كما أن بصره من غير حدقة ولا أجفان ، كما أن إرادته من غير قلب ولا جنان ، كما أن علمه من غير اضطرار ولا نظر في برهان ، كما أن حياته من غير بخار تحريف قلب حدث عن امتزاج الأركان ، كما أن ذاته لا تقبل الزيادة والنقصان ، فسبحانه سبحانه من بعيد دان ، عظيم السلطان ، عميم الإحسان ، جسيم الامتنان ، كل ما سواه فهو عن جوده فائض ، وفضله وجوده وعدله الباسط له والقابض . أكمل صنع العالم وأبدعه حين أوجده واخترعه ، لا شريك له في ملكه ولا مدبر معه فيه ، إن أنعم نعم فذلك فضله . وإن أبلى فعذّب فذلك عدله ، لم يتصرف في ملك غيره فينسب إلى الجور والحيف ، ولا يتوجه عليه لسواه حكم فيتصف بالجزع لذلك والخوف . كل ما سواه فهو تحت سلطان قهره ، ومتصرف عن إرادته وأمره ، فهو الملهم نفوس المكلفين التقوى والفجور ، وهو المتجاوز عن سيئات من شاء هنا وفي يوم النشور ، لا يحكم عدله في فضله ولا فضله في عدله ، أخرج العالم قبضتين وأوجد لهم منزلتين فقال هؤلاء للجنة ولا أبالي ، وهؤلاء للنار ولا أبالي ، ولم يعترض عليه معترض هناك إذ لا موجود كان . ثمّ سواه فالكل تحت تصريف أسمائه فقبضة تحت أسماء بلائه ، وقبضة تحت أسماء آلائه ، ولو أراد اللّه سبحانه أن يكون العالم كله سعيدا ، لكان أو شقيا ، لما كان في ذلك من شأن . لكنه سبحانه لم يرد فكان كما أراد ، فمنهم الشقي والسعيد هنا وفي يوم المعاد ، فلا سبيل إلى تبديل ما حكم عليه . وقال تعالى هن خمس وهن خمسون
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ ق : 29 ] لتصرفي في ملكي ، وإنفاذ مشيئتي في ملكي ، وذلك لحقيقة عميت عنها البصائر ، ولا تعثر عليها الأفكار ولا الضمائر ، إلا بوهب إلهي وجود رحماني لمن اعتنى اللّه تعالى به من عباده ، وسبق له ذلك في حضرة إشهاده ، فعلم حين أعلم أن الألوهية أعطت هذا التقسيم ، وأنها من دقائق القديم . فسبحان من لا فاعل سواه ولا موجود بذاته إلا إياه
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ
[ الصافات : 96 ] و
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
[ الأنبياء : 23 ]
فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
[ الأنعام : 149 ] . وكما أشهدت اللّه وملائكته وجميع خلقه وإياكم على نفسي بتوحيده فكذلك أشهد اللّه تعالى وملائكته وجميع خلقه وإياكم على نفسي بالإيمان بمن اصطفاه اللّه واختاره واجتباه من خلقه وهو سيدنا ومولانا محمد صلى اللّه عليه وسلم الذي أرسله إلى جميع الناس كافة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى اللّه بإذنه وسراجا منيرا ، فبلّغ صلى اللّه عليه وسلم ما
شرح
وبقوله في الباب التاسع والثمانين من « الفتوحات » والباب الثامن والأربعين وثلاثمائة منها : واعلم أن ترتيب أبواب « الفتوحات » لم يكن عن اختيار ولا عن نظر فكري وإنما الحق تعالى يملي لنا على لسان ملك الإلهام جميع ما نسطره وقد نذكر كلاما بين كلامين لا تعلق له بما قبله ولا بما بعده وذلك شبيه بقوله تعالى :حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى[ البقرة : 238 ] بين آيات طلاق ونكاح وعدة وفاة تتقدمها وتتأخرها . وبقوله في الباب الثاني من « الفتوحات » : اعلم أن العارفين إنما كانوا لا يتقيدون بالكلام