تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر ) — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
لبقائه . بل وجوده مطلق . قائم بنفسه ليس بجوهر فيقدر له المكان ، ولا بعرض فيستحيل عليه البقاء ، ولا بجسم فيكون له الجهة والتلقاء . مقدس عن الجهات والأقطار مرئي بالقلوب والأبصار ، استوى على عرشه كما قاله وعلى المعنى الذي أراده ، كما أن العرش وما حواه به استوى ، وله الآخرة والأولى ليس له مثل معقول ولا دلت عليه العقول ، لا يحده زمان ولا يحويه مكان ، بل كان ولامكان ، وهو الآن على ما عليه لأنه خلق المتمكن والمكان وأنشأ الزمان ، وقال أنا الواحد الحي الذي لا يؤوده حفظ المخلوقات ، ولا ترجع إليه صفة لم يكن عليها من صفة المصنوعات ، تعالى اللّه أن تحله الحوادث ، أو يحلها ، أو تكون قبله أو يكون بعدها . بل يقال كان ولا شيء معه ، إذ القبل والبعد من صيغ الزمان الذي أبدعه ، فهو القيوم الذي لا ينام والقهار الذي لا يرام ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، خلق العرش وجعله حد الاستواء وأنشأ الكرسي وأوسعه الأرض والسماء ، اخترع اللوح والقلم الأعلى وأجراه كما يشاء ، بعلمه في خلقه إلى يوم الفصل والقضاء ، أبدع العالم كله على غير مثال سبق ، وخلق الخلق وأخلق ، بالذي خلق أنزل الأرواح في الأشباح أمناء ، وجعل هذه الأشباح المنزلة إليها الأرواح في الأرض خلفاء ، وسخر لها ما في السماوات ، وما في الأرض جميعا منه فلا تتحرك ذرة إلا به وعنه ، خلق الكل من غير حاجة إليه ولا موجب أوجب ذلك عليه ، لكن علمه سبق فلا بد أن يخلق ما خلق ، فهو الأول ، والآخر ، والظاهر ، والباطن وهو على كل شيء قدير ، أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا ، يعلم السر وأخفى ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور . كيف لا يعلم شيئا هو خلقه
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
( 14 ) [ الملك : 14 ] علم الأشياء قبل وجودها ، ثم أوجدها على حد ما علمها ، فلم يزل عالما بالأشياء لم يتجدد له علم عند تجدد الإنشاء بعلمه ، أتقن الأشياء وأحكمها ، وبه حكم عليها من شاء وحكمها علم الكليات على الإطلاق كما علم الجزئيات بإجماع من أهل النظر والاتفاق ، فهو عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون ، فعال لما يريد فهو المدبّر للكائنات في عالم الأرض والسماوات ، لم تتعلق قدرته تعالى بإيجاد شيء حتى أراده ، كما أنه لم يرده حتى علمه إذ يستحيل في العقل أن يريد ما لا يعلم ، أو يفعل المختار المتمكن من ترك ذلك الفعل ما لا يريده ، كما يستحيل أن توجد هذه الحقائق من غير حي . كما يستحيل أن تقوم هذه الصفات
شرح
أقرر بحمد اللّه تعالى في كتابي هذا قط أمرا غير مشروع وما خرجت عن الكتاب والسنة في شيء منه . وبقوله في الباب الخامس والستين وثلاثمائة : واعلم أن جميع ما أتكلم به في مجالسي وتصانيفي إنما هو من حضرة القرآن وخزائنه فإني أعطيت مفاتيح الفهم فيه والإمداد منه ، كل ذلك حتى لا أخرج عن مجالسة الحق تعالى ومناجاته بكلامه وبقوله في باب الأسرار والنفث في الروع من وحي القدوس لكن ما هو مثل وحي الكلام ولا وحي الإشارة والعبارة ، ففرّق يا
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر ) — صفحة 19 | عبد الوهاب الشعراني