أهل الكشف مبنية على أمور تشهد ، وعقائد غيرهم مبنية على أمور يؤمنون بها . هذا ميزانهم في كل ما لم يرد فيه نص قاطع ، والنفس تجد القوة في اعتقاد ما عليه الجمهور دون ما عليه أهل الكشف ، لقلة سالكي طريقهم . ثم اعلم يا أخي أنني طالعت من كلام أهل الكشف ما لا يحصى ، من الرسائل ، وما رأيت في عبارتهم أوسع من عبارة الشيخ الكامل ، المحقق مربي العارفين ، الشيخ محيي الدين بن العربي رحمه اللّه ، فلذلك شيدت هذا الكتاب بكلامه من « الفتوحات » وغيرها ، دون كلام غيره من الصوفية ، لكني رأيت في « الفتوحات » مواضع لم أفهمها ، فذكرتها لينظر فيها علماء الإسلام ، ويحقوا الحق ويبطلوا الباطل إن وجدوه ، فلا تظن يا أخي أني ذكرتها لكوني أعتقد صحتها وأرضاها في عقيدتي ، كما يقع فيه المتهورون في أعراض الناس فيقولون لولا أنه ارتضى ذلك الكلام واعتقد صحته ما ذكره في مؤلفه ، معاذ اللّه أن أخالف جمهور المتكلمين ، واعتقد صحة كلام من خالفهم من بعض أهل الكشف الغير المعصوم ، فإن في الحديث يد اللّه مع الجماعة ، ولذلك أقول غالبا عقب كلام أهل الكشف انتهى . فليتأمل ويحرر ، ونحو ذلك إظهار للتوقف في فهمه على مصطلح أهل الكلام . وكان شيخنا شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه اللّه ، يقول : : لا يخلو كلام الأئمة عن ثلاثة أحوال لأنه إما أن يوافق صريح الكتاب والسنة فهذا يجب اعتقاده جزما ، وإما أن يخالف صريح الكتاب والسنة فهذا يحرم اعتقاده جزما ، وإما أن لا يظهر لنا موافقته ولا مخالفته فأحسن أحواله الوقف انتهى . وقد أخبرني العارف باللّه تعالى ، الشيخ أبو طاهر المزني الشاذلي رضي اللّه عنه أن جميع ما في كتب الشيخ محيي الدين مما يخالف ظاهر الشريعة مدسوس عليه . قال لأنه رجل كامل بإجماع المحققين ، والكامل لا يصح في حقه شطح عن ظاهر الكتاب والسنة ، لأن الشارع أمنه على شريعته انتهى ، فلهذا تتبعت المسائل التي أشاعها الحسدة عنه وأجبت عنها ، لأن كتبه المروية لنا عنه بالسند الصحيح ليس فيها ذلك ، ولم أجب عنه بالفهم والصدر كما يفعل غيري من العلماء فمن شك في قول أضفته إليه ، وعجز عن فهمه وتأويله فلينظر في محله من الأصل الذي أضفته إليه فربما يكون ذلك تحريفا مني . واعلم يا أخي أن المراد بأهل السنة والجماعة ، في عرف الناس اليوم ، الشيخ أبو الحسن الأشعري ومن سبقه بالزمان كالشيخ أبي
شرح
اختصرته من « الفتوحات المكية » خاص فهمه بالعلماء الأكابر وليس لغيرهم منه إلا الظاهر قد اشتمل على علوم وأسرار ومعارف لا يكاد يخطر علمها على قلب الناظر فيه قبل رؤيتها فيه ، وقد سميته ب « الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر » ومرادي بالكبريت الأحمر إكسير الذهب ومرادي بالشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي رضي اللّه تعالى عنه .
أعني أن مرتبة علوم هذا الكتاب بالنسبة لغيره من كلام الصوفية كمرتبة إكسير الذهب بالنسبة لمطلق الذهب كما سنشير إلى ذلك بما نقلناه عن الشيخ رحمه اللّه في أبواب فتوحاته « والكبريت الأحمر » يتحدث به ولا يرى لعزته .