فقلت له العالم باق في نفس الأمر لم يزل وإنما حجبنا نحن عن شهوده فقال قد نقص علمكم باللّه في ذلك المشهد بقدر ما نقص من شهود العالم فإنه كله آيات اللّه فأفادني عليه الصلاة والسلام علما لم يكن عندي انتهى .
وقال في باب الأسرار : لا يترك الأغيار إلّا الأغيار فلو ترك تعالى الخلق من كان يحفظهم ويلحظهم لو تركت الأغيار لتركت التكاليف التي جاءت بها الأخبار ومن ترك التكاليف كان معاندا عاصيا أو جاحدا فمن كمال التخلق بأسماء الحق الاشتغال باللّه وبالخلق انتهى .
وقال في « لواقح الأنوار القدسية » : لا يقدر أحد ولو ارتفعت درجات مشاهده أن يقول إن العالم عين الحق أو اتّحد به أبدا وانظر إلى ذاتك يا أخي فتعلم قطعا أنك واحد لكن تعلم أن عينك غير حاجبك ويدك غير رجلك إلى غير ذلك وأن هذه الأعضاء تفاصيل في عين ذاتك لا يقال إنها غيرك قال ومن فهم ما أومأنا إليه فهو الذي يفهم قوله تعالى :
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ الإسراء : 85 ] فلم يحدث بابتداعه العالم في ذاته حادث تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا انتهى .
وقال أيضا في الباب الثاني والسبعين والثلثمائة بعد كلام طويل : وبالجملة فالقلوب به هائمة والعقول فيه حائرة يريد العارفون أن يفصلوه تعالى بالكلية عن العالم من شدة لتنزيه فلا يقدرون ويريدون أن يجعلوه عين العالم من شدة القرب فلا يتحقق لهم فهم على الدوام متحيرون فتارة يقولون هو وتارة يقولون ما هو وتارة يقولون هو ما هو وبذلك ظهرت عظمته تعالى انتهى . وقد أنشد الشيخ محيي الدين في هذا المعنى :
ومن عجبي أني أحن إليهم * وأسأل عنهم دائما وهم معي
وتبكيهم عيني وهم في سوادها * وتشتاقهم روحي وهم بين أضلعي
وكان سيدي علي بن وفا رحمه اللّه يقول إنما كانت القلوب تحن إلى التنزيه أكثر من التشبيه لأن من شأن الذات الإطلاق لذاتها وتساوي النسب لصفاتها انتهى . وكان يقول أيضا المراد بالاتحاد حيث جاء في كلام القوم فناء مراد العبد في مراد الحق تعالى كما يقال بين فلان وفلان اتحاد إذا عمل كل منهما بمراد صاحبه ثم ينشد :
وعلمك أن كل الأمر أمري * هو المعنى المسمى باتحاد
شرح
سقط عند رفعهما وكان الحق تعالى يقول : معلما للعبد إذا وقفت بين يدي فقف فقيرا محتاجا لا تملك شيئا وكل شيء ملكته يداك فارم به وقف صفر اليدين واجعل ذلك خلف ظهرك فإني قد قبلتك قال : ولهذا يستقبل بكفيه قبلته .
( قلت ) : ذكر الشيخ في الباب التاسع والستين وثلاثمائة ما نصه : اعلم أن من آداب الوقوف بين يدي اللّه تعالى في الصلاة الذل والمسكنة ، والتكلف شغل العبد حال الذليل في مناجاة سيده وقد وردت السنة بذلك وهو عندي أحسن من إسبال اليدين . قال : وإيضاح ما