فمن انقاد لهم بحكم الصدق رقّوه إلى فهم كلامهم ، حتى وجده مطابقا للكتاب والسنة ، ومن لا فلا « 1 » ، ولا طريق إلى فهمه إلا ذلك .
ولا أعلم الآن أحدا وضع مثل الميزان المذكور في هذا الكتاب أبدا ، فالحمد للّه ربّ العالمين .
وقد حبّب لي أن أصدّرها لك بفصول نفيسة ، مشتملة على نفائس في علم التوحيد ، ما أظنك تجدها في كلام أحد غير كمّل العارفين . فإن غير الكمّل كتموها عن الناس ، وبخلوا ببيانها ؛ غيرة على طريق اللّه عز وجلّ . وقد بلغ رمزهم الكتمان حدّه « 2 » ،
هامش
- ويخصّصه ويمحّصه مما ينقصه ؛ فلذلك يذكر أخبارهم ليحقق أسرارهم ، وينظر أسطارهم ليكمل أنوارهم ، ويؤول بالآية قصصهم فيثبت كمالهم بمحو ما نقصهم ، ويبلغون ساعتئذ فوق غاية آمالهم ، بما به خصّصهم ، فالجاهل بهذا النور الذاتي يظن أنه يتعاطى أسرار العباد ليستفيد ، والعارف بفضله يعلم أنه يذكر وينظر ويخبر ليعطي ويمنح ويفيد ، فربما خالط جلساء المكان المشرف بوطء أقدام بشره الأعز الأكرم ؛ ليسمع عقولا طارت من أقفاص أشباحها إلى رياض اختصاص أرواحها ، جوعانة عطشانة هيمانة لهفانة ، حلفت بصدق هواها وذلّها لعزّ مولاها ألا تشرب إلا من عين خطابه شفاها ، ولا تتغذى إلا برؤية وجهه وجاها ؛ فلما دخلت حضرة مولاها وشكت إليه ما بها أشكاها ، وعطف عليها ؛ فأطعمها وسقاها اه .
وما قصده سيدي عبد الوهاب غير ما قصده سيدي عليّ ، فاعلم .
( 1 ) قال الشيخ قدّس سرّه في « الفتوحات » : من أراد أن يفهم المعاني الغامضة من كلام اللّه عز وجلّ وكلام رسله وأوليائه فليزهد في الدنيا ، حتى يصير ينقبض خاطره من دخولها عليه ، ويفرح لزوالها من يده ، وأما مع ميل قلبه إليها فلا سبيل له إلى فهم الغوامض أبدا اه . نزع اللّه حب الدنيا من قلوبنا ، آمين .
( 2 ) قال المصنف رضي اللّه عنه في « اليواقيت » : اعلم رحمك اللّه أن أصل دليل القوم في رمزهم الأمور ما روي في بعض الأحاديث ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال يوما لأبي بكر الصدّيق رضي اللّه عنه : « أتدري يوم يوم » . -