تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الميزان الذرية المبينة لعقائد الفرق العلية — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
فكما أن الحق أبرز الشمس المنيرة لمصالح عباده ولم يراع من تضرّر بها . كذلك العارف له الاقتداء بالحق في ذلك بالحكمة ، مع أن العارفين لم يدوّنوا بالأصالة كتبهم إلا لأهل طريقهم ، أو من أشرقت فيه أنوارهم حتى محق التسليم ما في باطنه من النزاع والجدال ، وأوصوا أصحابهم بكتمان ما يخفى عن أهل الحجاب والغفلة ، فتعدى بعض الناس حدود السادات ، وأظهروا كلامهم لمن ينكره ، كما تعدى الغافلون حدود ربهم ، وسافروا بالمصحف إلى أرض العدو ، ومكّنوا أعداء اللّه تعالى من قراءته بقلوب زائغة وألسنة معوجّة ، فحرّفوه ، واتبعوا ما تشابه منه ؛ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، وأنشد سيدي علي وفا في معنى ذلك ، فقال عفا اللّه عنه :
وإن أردت تنقل قولي * لمن يجهله ينكره
صليت أنت والآخر * جهنّم الإنكار
هب أنت تحكي قولي * ما أنت مثلي تظهره
حيّا بروح المعنى * في سائر الأدوار
إلى آخر ما قال . فما دوّن أهل اللّه تعالى كلامهم لعامة الناس ، وإنما هو لقوم مخصوصين « 1 » .
هامش
( 1 ) قلت : قد ذكر سيدي علي وفا رضي اللّه عنه وعنّا به في تدوين كتب السادة الصوفية سرّا لم ينبّه عليه غيره ، وهو قوله في « الوصايا » : لما كان ختم الأولياء وفاتح كنوز الآلاء معلوم ظهوره بالأمر العظيم ، والسلطان العزيز الكريم ، مبلّغا كل قاصد أحسن قصده ، ومنفذا كل متعلّق به إلى غاية حده من مجده نهضت همم أولياء الأزمان المبشرة بزمانه لتدوين أحسن أقوالهم وأحوالهم وأعمالهم بأيديهم وأيدي المؤمنين بهم ؛ رجاء دخول حضرته بوجودهم الكتبي ؛ بدلا من كونهم الجسمي المتحلل قبل إتيانه ؛ لعلمهم بأن ذلك المولى لا ينظر لأحد بعين الرضا والرحمة ، ولا يذكر بلسان العناية شأنه أو اسمه إلا بلّغه غاية قصده ، ووصلّه حيث لا يصل بحده وجدّه ، يخلّصه -
الميزان الذرية المبينة لعقائد الفرق العلية — صفحة 19 | عبد الوهاب الشعراني / أحمد فريد المزيدي / جودة محمد ابو اليزيد المهدى / محمد عبد القادر نصار