تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦

خاتمة في ذكر جملة من آداب القوم وشروطهم العامة في كل أحد من مريد وشيخ

اعلم رحمك اللّه ان دائرة طريق القوم تبتدىء من بعد انتهاء دائرة غيرهم ، لأن كل أدب في الشريعة في باطنه أدب آخر يسميه أهل اللّه تعالى الاعتبار ، أي يعبر من ظاهر الفعل إلى باطنه ، فيكون صورة الفعل واحدة والقصد يختلف ، كمن يريد بعبادته الاجر في الآخرة ، ومن يريد بها القيام بواجب حق الربوبية ، وانه لا يستحق على ربه بخدمته شيئا حتى يطلبه منه . فصورة قاصد الثواب كصورة من لا يطلبه على حد سواء . ونظير ذلك أيضا من يغسل أعضاءه من الحدث الظاهر أو النجس ومن يغسلها بالتوبة من سائر المعاصي حال غسلها ، فنية الأول مقصورة على رفع الحدث والنجس الظاهر ، ويزيد عليه الثاني رفع النجس الباطن من استعمالها - أي الأعضاء - في غير ما شرع لها ، لا سيما القلب الذي هو أمير البدن كله ، فإنه إذا فسد أفسد الجسد كله ، فلا بد من غسله من سائر المعاصي ، كالكبر والعجب والنفاق والرياء والحسد والحقد واحتقار الناس وغير ذلك . ويجمع الآفات كلها محبة الدنيا ، كما أشار اليه قول عيسى عليه الصلاة والسلام : حب الدنيا رأس كل خطية . فلم يخرج عنها خطية واحدة . ولعل من قصر بصره على الحدث الظاهر لا يخطر في باله التوبة من حب الدنيا ابدا . وقد كان الفضيل بن عياض رحمه اللّه يقول لأصحابه : اجلسوا بنا نتوب من الذنب الذي لا يهتدي اليه الناس ، وهو حب الدنيا ، من مال وطعام وكلام ومنام ، فان هذه الأربعة هي محبة الدنيا انتهى . واعلم يا أخي ان كل من دخل الطريق بحق وصدق علم أن في القوم مجتهدين في الطريق الظاهر . فكما ان المجتهدين في الشريعة استنبطوا منها آدابا واحكاما وشروطا وواجبات ومحرمات ومكروهات ، فكذلك المجتهدون في طريق القوم ، فإياك والانكار عليهم الا بعد دخول طريقهم . وهناك لا تنكر عليهم الا ما خالف جميعهم أو جمهورهم . إذا علمت ذلك فأقول وباللّه التوفيق : من آدابهم ان يجتمعوا في الاكل على السفرة ، ولا يأكلون فرادى الا