تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
وكان يقول : متى أقبل المريد على الوقوف مع مراعاته من الخلق قبل بلوغه درجات الكمال سقط من عين رعاية اللّه عز وجل ، ومتى أصغى إلى مجرد مدح الناس له فتلذذ أهلك مع الهالكين . وكان يقول : إذا غفل المريد عن ذكر اللّه نفسا واحدا صحبه الشيطان فهو له قرين ، إذ الشيطان بالمرصاد لمن أقبل على اللّه عز وجل فهو واقف تجاه قلبه فمتى رأى الغفلة دخلت قلبه دخل ، ومتى رأى الذكر دخل قلبه خرج ، فمن لم يداوم على ذكر اللّه تعالى فهو ملعبة للشيطان ، وإذا كان الشيطان يدنس قلب المريد وينجسه إذا دخل في النهار مرة واحدة ، فكيف بقلب باض الشيطان فيه وفرّخ أو كان مريد طول نهاره يدخل فيه الشيطان ويخرج ، فضلا عن كونه مستقرا فيه ؟ ومن شأنه أن لا يتقلق من تنكرات الأحوال عليه أول دخوله في الطريق ، فكثيرا ما تتحول الدنيا من يد المريد أول دخوله الطريق فربما قال ولو في نفسه : ما كان لي حاجة باتباع طريق الفقراء ، فينتقض عهده فلا يفلح بعد ذلك . وكان الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه اللّه يقول : إذا ضيق اللّه عليك أيها المريد وسد عليك أبواب الرزق وقسى عليك قلوب عباده ، فاعلم أنه يريد أن يواليك فاثبت ولا تضجر . وكان يقول : بصيرة المريد كالبصر أدنى شيء يقع فيها يعطل النظر . وكان يقول : كل مريد ادّعى فتح بصيرته وعنده بقية طمع فيما بأيدي الناس فهو كاذب ، فإن من فتح اللّه عين بصيرته لا يصح أن يعلق قلبه بمخلوق ، لأنه يجد الخلق كلهم فقراء لا يملكون شيئا مع اللّه تعالى . وكان يقول : لا يترقى مريد قط إلا إن صحت محبة اللّه له ، ولا يحبه اللّه حتى يبغض الدنيا وأهلها ويزهد في نعيم الدارين وفي كل شيء يشغله عن مشاهدة ربه . فعلم أن كل مريد أحب الدنيا فاللّه يكرهه على حسب محبته لها كثرة وقلة ، وكل مريد أحب نعيم الآخرة سوى شهود الحق واقتصر على ذلك النعيم بقلبه ، حجب عن اللّه عز وجل ، فإن نهاية الدار الآخرة أن فيها الأكل والشرب واللباس والنكاح وغير ذلك كعلف الدابة حقيقة ، فليقدر العبد نفسه دابة ، فإنه يجد سيده لا ينساه فهو حاصل له ، وطلب الحاصل تضييع للوقت ، إنما الشأن أن يطلب مجالسة ربه عز وجل في الدنيا والآخرة ، فهذا هو النعيم المطلوب للعارفين في الدارين . فلو لا مشاهدته تعالى في العبادات ما أحبوها ، ولولا مشاهدته في الجنة ما أحبوها ،