إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا ينافي التسليم للّه تبارك وتعالى ، فالعبد يسلم لربه من حيث تقديره على عباده ويقوم هو بما كلف به ، وليس للعبد أن يقف مع ظاهر الحديث :
« إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فلا يتركها حتى يغرسها » .
ويقول : قد وجدت العلامات التي أخبر بها الشارع صلى اللّه عليه وسلم وما بقي على أحد وجوب في أمر غيره بمعروف ، وإنما يترك العبد ذلك إذا خاف على نفسه هذا في شأن العامة ، أما العلماء فلا يتركون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلقا ، كما فعل الإمام أحمد والإمام أبو حنيفة وأمثالهم .
هكذا فهم الإمام الشعراني نصوص الشريعة ، « وإذا كان الإيمان إحدى وسبعين شعبة أعلاها كلمة لا إله إلا اللّه ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق » فإن « أفضل الإيمان كلمة حق عند سلطان جائر » .
وقد كان الإمام الشعراني كثير الشفاعة للناس عند الحكام والولاة - وكان مقبول الشفاعة عندهم - فهو قد عدّ نفسه مسؤولا عن كل فرد في الأمة وقع عليه ظلم أو أصابه مكروه ، عدّ الشعب رعيته يدافع عنه إذا ظلم ، ويتألم لألمه إذا نزلت به نازلة ، ويصبح عليل الجسم إذا حل به مكروه « مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحما » .
والتاريخ يحدثنا أن الوفود المرهفة كانت تفد على زاويته تطلب الأمن بعد الخوف ، والاطمئنان بعد القلق ، وتطالب بحقوقها التي سلبت منها ، ويستقبلهم الإمام بقلبه الطيب وروحه العالية مخففا عنهم ومواسيا لهم .
وتخرج رسله ورسالاته إلى حاكم البلاد مرة وإلى ولاة الأقاليم مرات ، فكان كالرحمة المهداة إلى هؤلاء المظلومين الذين أرهقهم الظلم ، وأثقل كواهلهم الطغيان .
آداب الصحبه — صفحة 12
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص١٢