ماذا يطلب الإمام الشعراني من هذا الحاكم ، وأي شيء يملكه هذا الحاكم يستحق أن يطلب ، أيطلب الدنيا وهي لا تساوي عند اللّه جناح بعوضة ؟ أيطلب الجاه وما عند اللّه خير وأبقى . . ؟
ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ
[ النحل : 96 ] .
إن الإمام الشعراني يطلب من الولاة رفع الظلم عن الرعية ، وإقامة العدل بين الناس ، ومراعاة حدود اللّه ، والسير على قواعد الشريعة .
إنه يعدّ نفسه مسؤولا عن كل ظالم وقع على أحد من الناس وسمع به ، ويعدّ نفسه أيضا مطالبا برفع هذا الظلم قبل أن يسأل عنه يوم القيامة .
وحكي أن بعض الحسدة دسّ لنائب السلطان وأوهمه بأن الشعراني يتآمر على عزله ، وتولية خصمه مكانه ، وأذعن الباشا لما سمع ، وأخذ يهدد ويتوعد ، وإذا به يتلقى أمرا من السلطان بالرحيل عن مصر على عجل .
فأشار عليه بعض جلسائه بأن يترضى الشعراني ويستسمحه عما ارتكب في حقه من معصية ، فامتثل مشورته ، وإذا به يتلقى من السلطان أمرا بالعفو عنه ، وإبقائه في مصر .
فامتلأ إيمانا بالشعراني وقدرته على تنفيذ ما يريد . حتى كان الشعراني إذا زاره حفّ لاستقباله وأكرم وفادته ، وجلس على كثب منه على مقعد متواضع وأنصت لشفاعته ، وبادر إلى قبولها من غير تردد .
أنقول هذا من قبيل الكرامة للإمام الشعراني . . ؟ إن كثيرا من المثقفين يرفضون هذا النوع من الكرامات ويعتبرونه من قبيل المصادفة البحتة ، ليكن كذلك . . فإن الإمام الشعراني لم يدّع الكرامات ، وكان يزهد فيها ، وكان يعتبر الكرامة الحقيقية للرجل المؤمن أن يوفقه اللّه للعمل بالكتاب والسنة والتزام أوامر الشرع ، والحظوة لدى الحكام والولاة .
وقد مكنته هذه المكانة من رفع الظلم عن كواهل المظلومين ، ورد الحقوق إلى أصحابها في