لواحد وقلبه مع الحادثات فأي شيء حدث ذكر محدثه ومنهم من هو مكاشف بالصفات القديمة كالقدرة والإرادة والعلم ، وهذا أرفع درجة مما قبله ، ( ومنهم من هو مكاشف بالحقيقة فيضمحل ) فيها ( إحساسه بما سواه ) تعالى ( فهو يشاهد الجمع سرا بسر ) أي يشاهد باطنه شيئا فشيئا بوصف الجمع ( وظاهره بوصف التفرقة ) فيكمل عنده انفراد الحق في ذاته وأفعاله وصفاته ، وهذا هو التوحيد الكامل . ( سمعت محمد بن عبد اللّه الصوفي رحمه اللّه يقول : سمعت عليّ بن محمد القزوينيّ يقول : سمعت القنفد يقول : سئل الجنيد عن التوحيد فقال :
سمعت قائلا يقول : وغنا لي مني قلبي . وغنيت كما غنا . وكنا حيثما كانوا .
وكانوا حيثما كنا ) فاعتبر الجنيد بذلك نفسه وحاله مع اللّه وكونه تعالى خلق له السماع في قلبه وعبر عنه بالفناء فلما خلقه في قلبه هاجت عليه أحوال الموافقة لما سمعه أخذا من قوله : وغنيت كما غنى ، وأخبر أنّه لما توالى عليه هذا الحال لم يبق فيه وسع ولا ذكر لغير الحق شغلا به عن غيره أخذا من البيت الثاني ، وفيه إشارة إلى استغراقه بالكلية حتى عن نفسه فلم ير إلا واحدا ( فقال ) له :
( السائل ) لما لم يفهم الجواب من البيتين كما فهمه هو ( هلك القرآن والأخبار )
شرح
( قوله : بأن يرى الأفعال لواحد ) أي وهذا أول مقامات الموحدين من أرباب العلوم الظاهرة . ( قوله : وهذا أرفع الخ ) أي لأنّ نظر صاحب هذا المقام إنما هو إلى منشأ الأشياء ومصدرها بخلاف من قبله ، فإنّ نظره ابتداء إلى الآثار ثم ينتقل منها إلى مصدرها وشتان ما بين النظرين
( قوله : ومنهم من هو مكاشف بالحقيقة الخ ) الفرق بين هذا وما قبله أنّ الأوّل سبب وصوله شاهد العلم ، وهذا سبب وصوله تكرر ذلك الشاهد على قلبه حتى غلب عليه وصار كأنه معاين له محسوس عنده بواسطة قوّة اليقين ، ومن هنا قيل : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا . ( قوله : فهو بشاهد الجمع الخ ) أي وذلك باعتبار أنّه لا يرى إلا الواحد تعالى وتقدّس وقوله : وظاهره بوصف التفرقة أي لأجل أن يتحقق له نعت العبودية ويقوم بالمتابعة الأحمدية .
( قوله : وغنى لي منى قلبي الخ ) أي فهو يشير رضي اللّه عنه إلى أنّ ما ظهر على جوارحه مما بطن في سرائره وله الإشارة بخبر « ألا وإنّ في الجسد مضغة » الحديث ، وقوله : وكنا الخ يريد به أنّ مراداته قد فنيت في مرادت مولاه تعالى ، فلا يتحرك ولا يسكن إلا على هذا الشاهد ، وقوله : وكانوا الخ الغرض منه بيان ثمرة هذا النعت ، وهي أن يكون العبد في حفظ مولاه ورعايته ، ويشهد لذلك قولهم : من كان في اللّه تلفه كان اللّه خلفه .