يقبل أحدا ) أي مشغول باللّه تعالى ، ولم يبق فيه وسع لخلطة غيره ولا لكلامه ، وهذه أعلى أحوال الصوفيّ وإن لم يدم له ذلك ، وإنما هي بحسب من يسأله ويجيبه ، فإذا كان السائل له ممن يدّعي التصوّف نبهه على المقام الرفيع فيه ليستصغر نفسه وتذهب عنه دعاويه ، ( وسمعته ) أيضا ( يقول : سمعت عبد اللّه بن محمد يقول : سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول : سمعت أبا عليّ الورّاق يقول : سمعت أبا حمزة البغداديّ يقول : علامة الصوفيّ الصادق أن يفتقر ) من الدنيا ( بعد الغنى ) بها ( ويذل بعد العز ) بالغنى بها ( ويخفى بعد الشهرة ) لأنّ أول درجاته الزهد في الدنيا ، فيبعد منها عن مالها وجاهها ورفعتها ، فيصير في صورة الفقير وإن كان غنيا باللّه ، وفي صورة الذليل وإن كان عزيزا بمولاه ، خفيا بين الناس وإن كان مشهورا عند الملائكة ، ومن والاه ، ففي الحقيقة هو الغني بعد الفقر ، والعزيز بعد الذل ، والمشهور عند اللّه وملائكته بعد الخفاء ، وذلك ببركة صدقه في سلوكه ، ( وعلامة الصوفي الكاذب أن يستغني بالدنيا بعد
شرح
فلسان حال هذا الوحدانيّ يقول : اصحب مولاك ولا تعبأ بمن ناداك ، فإنّه إذا صح منه الوداد أمنت به من سائر العباد ، شعر :فليت الذي بيني وبينك عامر * وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الودّ فالكل هين * وكل الذي فوق التراب ترابفقوله : لا يقبله أحد أي لعدم المناسبة كما أسلفنا ، ولأنّ أهل الخصوصية مزهود فيهم في الحياة متأسف عليهم بعد الممات ، شعر :والمرء ما دام حيا يستهان به * ويعظم الرزء فيه حين يفتقدوقوله : ولا يقبل أحدا أي لعدم وجود المماثل وعزة الأخ المشاكل ، شعر :إني لأفتح عيني حين أفتحها * على كثير ولكن لا أرى أحدافهذا الزمان لم يواف بصديق موافي ، ولذا قيل شعر :وإذا صفا لك من زمانك واحد * نعم الصديق وعش بذاك الواحدفوا أسفي على فقد الكامل الكبير والفتى الحر التحرير ، شعر :أتمنى على الزمان محالا * أن ترى مقلتاي طلعة حرّ( قوله : وإن لم يدم له ذلك ) أي لأنّه لا دوام له على حال ولا على مقام لاستمرار ترقيهيَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ[ البقرة : 105 ] . ( قوله : علامة الصوفيّ الصادق الخ ) محصله أنّه لا يتم له هذا الوصف الشريف إلا بعد انخلاعه عن الدنيا وشهواتها ، وذلك بالزهد فيها من جهة المال والشهرة والرياسة ، وكل شاغل يشغل عن الحق بحيث لا يكون فيه متسع لغير حق ربه سبحانه وتعالى . ( قوله : بعد الخلفاء ) أي باعتبار الملائكة أو