التوحيد فقال لأهله : إذا مت فاحرقوني ثم استحقوني ثم ذروا نصفي في البر ونصفي في البحر في يوم ريح ففعلوا » فقال اللّه ) تعالى ( للريح أدّي ما أخذت فإذا هو بين يديه ) تعالى ( فقال له : ما حملك على ما صنعت ؟ فقال : استحياء منك فغفر له ) وعليه تحمل رواية الصحيحين قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « قال رجل لم يعمل حسنة قط : قال لأهله : « إذا مت فاحرقوني ثم ذروا نصفي في البر ونصفي في البحر لئن قدر اللّه عليّ أي ضيّق عليّ في المؤاخذة والحساب ليعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين » « 1 » فلما مات الرجل فعلوا ما أمر به فأمر اللّه تعالى البر فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه ثم قال له : لم فعلت هذا ؟ قال : من خشيتك وأنت أعلم فغفر اللّه له ، فعلم أنّ التوحيد مطلوب وأنّه سبب النجاة من النار ، وهو أفضل الطاعات وأشرفها ، وشرط
شرح
فأحرقوني ) أقول : مثل هذه الوصية باطلة في شريعتنا لا تجوز العمل بها فلعل ذلك كان جائزا في شريعتهم . ( قوله : لئن قدر اللّه عليّ الخ ) أي بأن عاملني بالعدل لا بالفضل .
( قوله : وهو أفضل الطاعات ) أي لأنّ الشيء يشرف بشرف موضوعه ، وموضوع هذا العلم ذاته تعالى السنية وصفاته العلية . ( قوله : هو الحكم بأنّ الشيء واحد ) هذا التعريف باعتبار عرف الشرع والعقل لا باعتبار حقيقة التوحيد الذاتي ، ثم ومنه يتضح معنى قول من قال :ما وحد الواحد من واحد * إذ كل من وحده جاحدلأنّ مراده التوحيد الذاتي لا الوصفي ولا الفعلي ، وذلك لأنّ التوحيد صفة الموحد والصفة تقتضي شيئين وجود نفسها وموصوفها ، وهو محقق للإثنينية ، فحينئذ قد جحد الموحد توحيد الحق الواحد بإثبات نفسه وفعله المنافي للتوحيد الذي هو إسقاط الحدث ، وإثبات القدم فما بقيت ذات اللّه وحدها ليتحقق التوحيد حيث ثبت وجود آخر ، فإذا لا يصح التوحيد لذاتي على لسان العبد إلا بفناء وجوده المجازيّ الهالك أي المعدوم في ذاته بإشارة قوله سبحانه :كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ[ القصص : 88 ] وذلك لأنّ العبد بل كل شيء له وجه في ذاته ووجه في الحق وهو بالوجه الأوّل معدوم دائما إذ هو قبل ذلك الوجود كان معدوما ، وبعده صار موجودا بوجود فائض من الحق عليه ، فالآن هو موجود بالوجود الفائض عليه لا بوجود ثابت من قبل ذاته فهو بالنظر إلى ذاته معدوم دائما ، وبالنظر إلى الوجود الفائض من الحق عليه موجود ، فحينئذ إضافة الوجود إلى الشيء لأدنى ملابسة إضافة مجازية لا حقيقية ، وعند نظر التحقيق هذا الوجود العارض على ماهيات الأشياء هو عكس نور الوجود القديم المتلألىء على سائر
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في ( صحيحه 9 / 177 ) ومسلم في ( صحيحه التوبة 24 ) ومالك في ( الموطأ 240 ) والبغوي في ( شرح السنة 14 ، 380 ) و ( بغوي 6 / 81 ) والتبريزي في ( مشكاة المصابيح 2369 ) والمنذري في ( الترغيب والترهيب 4 / 260 ) .