فصل
( ومن شأن المريد بل من طريقة سالكي هذا المذهب ) أي مذهب الصوفية وإن لم يكن مريدا ( ترك قبول رفق النسوان ) إي إكرامهن له ( فكيف التعرض لاستجلاب ذلك ) منهن لأنّ الإكرام سبب عظيم في المحبة والشرع ملتفت إلى المباعدة بين الرجال والنساء ، ولأنّ رفقهن لا يخلو عن شبهة غالبا لاحتمال أنّه من مال أزواجهن أو من في حجرهن أو نحوه ، ( وعلى هذا ) الحكم ( درج شيوخهم ) أي الصوفية ، ( وبذلك نفذت وصاياهم ومن استصغر هذا ) الحكم ( فعن قريب يلقى ما يفتضح به ) عند اللّه وعند خلقه .
فصل
( ومن شأن المريد التباعد عن أبناء الدنيا فإنّ صحبتهم سم مجرب لأنّهم ينتفعون به وهو ينتقص بهم ) ولأنّه يسمع منهم ضد مقصوده ( قال اللّه تعالى :
وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا
[ الكهف : 28 ] الآية ، وإن ) أي ولأنّ ( الزهاد يخرجون المال عن ) وفي نسخة من ( الكيس تقرّبا إلى اللّه تعالى وأهل الصفاء يخرجون الخلق والمعارف من القلب تحققا باللّه عز وجل ) بحيث لا يبقى فيه غيره ، ولأنّه يخشى عليه من صحبته لهم أن يرجع عما عزم عليه من الخير ، ويملك حب الدنيا قلبه بالكلية ، فيحصل فيه كل شر ، ولو كانت الدنيا تزن عند اللّه جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء ، فبعده منها ومن أهلها أسلم له في دينه ما دام ضعيفا ، فإذا تمكن الزهد من قلبه وقويت رغبته في الخير وكملت معرفته لا يبالي بصحبتهم ، فإنّ زهده ومعرفته
شرح
عرض الدنيا . ( قوله : ومن استصغر هذا الحكم ) أي عده صغيرا والمراد بالحكم قبول رفق النسوان . ( قوله : فعن قريب يلقى ما يفتضح به ) أي باعتبار ما قدمه الشارح من التعرض للفتنة بهن واحتمال كون الرفق لغيرهن من الأزواج مثلا ، ولم يأذن الغير لهن في التصرف . ( قوله : ومن شأن المريد التباعد عن أبناء الدنيا ) أي المشتغلين بها المتهافتين على تحصيلها . ( قوله : سم مجرب ) أقول : بل ضرر هذا أعظم عن ضرر السم لأنّ السم يعود ضرره على تلف الجسم الفاني ، وضرر صحبة أبناء الدنيا يعود على نقص الدين قال تعالى :وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ[ الرعد : 34 ] . ( قوله : وهو ينتقص بهم ) أي حقيقة إن مال مثل ميلهم أو هو قد تعرض لذلك . ( قوله : وإنّ الزهاد الخ ) أي وفرق بين منفق الفاني وبين من أبدى سر الباقي . ( قوله : ما سقى كافرا الخ ) أي وإنما اقتصر عليه لحقارته وخسته وثبوت عداوته . ( قوله : فإذا تمكن الزهد ) أي ووثق من نفسه بواسطة تكرر امتحانه