( جميع الزلات سرها وجهرها صغيرها وكبيرها ويجتهد في إرضاء الخصوم أوّلا ومن لم يرض خصومه لا يفتح له من هذه الطريقة بشيء ) يعتد به لعدم تخلصه من حقوقهم فيجب ردّها لهم إن كانوا وإلا فلورثتهم ، ( وعلى هذا النحو جروا ، ثم بعد هذا يعمل ) المريد ( في حذف العلائق والشواغل ) الدنيوية غير الضرورية ( فإنّ بناء هذا الطريق ) أي طريق الصوفية ( على فراغ القلب ) من العلائق وهي ما يتعلق القلب به وعطف الشواغل عليها عطف تفسير ، ( وكان الشبليّ يقول للحصري في ابتداء أمره :
إن خطر ببالك ) أي بقلبك ( من الجمعة إلى الجمعة الثانية التي تأتينا ) وفي نسخة تأتيني وفي أخرى تأتي ( غير اللّه ) أي إذا سكن قلبك إلى غير اللّه ( فحرام عليك أن تحضرني ) أي فلا تصحبني ، وفائدة قوله : من الجمعة إلى الجمعة تعليمه ، ودوام ودّه لما خطر له من ذلك ، فإنّه إذا دام الودّ قوي القلب بما دام عليه ( وإذا أراد ) المريد ( الخروج عن العلائق فأوّلها الخروج عن ) حب ( المال ) أي فضوله ( فإنّ ذلك ) هو
شرح
المؤمن لا يأتي قط معصية توعد اللّه عليها إلا ويجد في نفسه بعدها الندم وهو التوبة ، فإذا قبله الحق سقطت عنه العقوبة فهو من حيث كونه كارها وموقنا بأنّها معصية ونادما عليها ذو عمل صالح ومن جهة كونه فاعلا لها ذو عمل سئ فهو من الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى اللّه أن يتوب عليهم ، وعسى من اللّه تعالى واجبة الوقوع ، ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء واللّه أعلم .
( قوله : ويجتهد في إرضاء الخصوم ) أي ويكون إرضاؤهم على وجه الموافقة لما جاء من أحكام الشريعة . ( قوله : إن كانوا الخ ) أي وإن لم يوجدوا ولا ورثتهم أو لم يعرفوا فتصرف في مصالح المؤمنين . ( قوله : فإنّ بناء هذا الطريق الخ ) أي وذلك لأنّ الاشتغال بشيئين متنافيين في آن واحد مما لا يمكن ، وأقل ما يتم ضياعهما معا أو أحدهما . ( قوله : وفائدة قوله الخ ) حاصله أنّ حكمة التخصيص بهذا الوقت أنّه إذا دام كذلك هذه المدة وجد لذة الطاعة بقوّة قلبه فيها فلا يرجع عنها . ( قوله : وإذا أراد المريد الخ ) شروع في كيفية التخلص من العلائق المسهلة للخروج منها . ( قوله : فأوّلها الخروج عن حب المال ) أقول : بل الخروج عن سائر الفضول على حسب إشارة سيد المرسلين في خبر « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » « 1 » وذلك لأنّ المريد لا يشتغل إلا بما يحتاج إليه في أمر آخرته وما يضار إليه من أمر دنياه وفي كلامه نفعنا اللّه به الإشارة إلى أنّ الضار إنما هو تعلق القلب بالمال أما مجرد تعاطيه بالإذن الشرعي فغير ضار بل هو قد يوصل إلى خير الآخرة .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( زهد 11 ) وابن ماجة ( فتن 12 ) والموطأ ( حسن الخلق 3 ) ( كلام 17 ) .