وكرمه ( فهم أهل الوصال وللناس أهل الاستدلال وهم كما قال القائل :
ليلي بوجهك مشرق * وظلامه في الناس سار
والناس في سلف الظلا * م ) بضم السين وفتح الدال جمع سدفة بفتح السين وإسكان الدال وهي الظلمة ( ونحن في ضوء النهار . ولم يكن عصر من الأعصار في مدة الإسلام الأولية شيخ من شيوخ هذه الطائفة ممن له علوم التوحيد وإمامة القوم إلا وأئمة ذلك الوقت من العلماء استسلموا ) أي انقادوا ( لذلك الشيخ وتواضعوا له وتبركوا به ، ولولا مزية وخصوصية لهم ) يعني للمشايخ عند أئمة ذلك الوقت ( وإلا كان الأمر بالعكس ) يعني كانوا مستسلمين لأئمة ذلك الوقت ( هذا أحمد بن حنبل كان عند الشافعيّ فجاء شيبان الراعي ) رضي اللّه عنهم ( فقال أحمد ) للشافعي ( أريد يا أبا عبد اللّه أنّ أنبه هذا على نقصان علمه ليشتغل بتحصيل بعض العلوم ) التي يلزمه تحصيلها ( فقال ) له : ( لا تفعل ) لأنّ اللّه لا يخلي مثله عن ذلك ( فلم يقنع ) منه بذلك ،
شرح
بوجهك مشرق * وظلامه في الناس سار الخ ) الذي محصله أنّ ظلمة الجهالات الثابتة لغيره قد محاها منه إشراف نور الحق على قلبه ، وهذه الظلمة سارية في الناس الذين لم تسبق لهم عناية الحق فما وقفوا على حقائق إشارات الصدق ، وذلك على حسب القضاء الأزلي الساري حكمه فيما لا يزال ، وقوله : والناس الخ ظاهر المعنى مما أوضحناه قبله ، هذا والأولى أن يقول : فهم كما قال القائل لتفريعه على ما قدمه .
( قوله : ولم يكن عصر الخ ) أي لم يكن زمن من الأزمان وقرن من القرون إلا وفيه شيخ من شيوخ هذه الطائفة قائما لإرشاد غيره من أمة نبيه وحبيبه لطفا من اللّه ورحمة وزيادة لكرامة رسوله صلى اللّه عليه وسلم . ( قوله : ممن له علوم التوحيد ) أي مع إشارات التجريد والتفريد . ( قوله : إلا وأئمة ذلك الوقت ) أي المقدمون فيه في علوم الشريعة استسلموا وانقادوا لذلك الشيخ أي فدل ذلك على زيادة صدقهم ، وتحقيق صفاء شرابهم ورفعة درجاتهم وأحوالهم .
( قوله : ولولا مزية وخصوصية لهم ) أي مزية وخصوصية باطنية لم تتحقق لغيرهم أي فتأثر علماء الظاهر بهم يدل على عمارة الباطن منهم . ( قوله : وإلا كان الأمر بالعكس ) أي إلا نقل أنّ أئمة الوقت من علماء الظاهر استسلموا لهم لما شاهدوه من خصوصيتهم ومزيتهم لكان الأمر بالعكس يعني لكان الصوفية هم المستسلمون لأئمة الوقت ، وذلك باطل لأنّه خلاف الواقع . ( قوله : هذا أحمد الخ ) شروع في إثبات الدعوى بجزئيات من أخلاق أهل التقوى . ( قوله : فقال أحمد الخ ) من تقديم سؤاله تعلم أنّ الغرض له رضي اللّه تعالى عنه بذل النصح لإخوانه المؤمنين لا تقبيح آحاد الموحدين .