باب الوصية للمريدين
( قال الأستاذ الإمام ) القشيري رضي اللّه عنه : ( لما أثبتنا طرفا من سير القوم وضممنا إلى ذلك أبوابا من المقامات ) والأحوال ( أردنا أن تختم هذه الرسالة بوصية للمريدين ) بل ولغيرهم ( نرجو من اللّه سبحانه حسن توفيقهم لاستعمالها وأن لا
شرح
باب الوصية للمريدين أي الوصية بما يلزمهم التخلق به إذا أرادوا السير إلى اللّه تعالى ، وحاصل ذلك على طريق الإجمال البدء بالأهم فالأهم ، فيبدأ المريد أولا بتصحيح عقيدته بالنظنر في أدلة علم الكلام العقلية والسمعية حتى يعلم ما يجب للحق تعالى وما يجوز وما يستحيل ، وكذا يحب مثله في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام ثم بعد ذلك ينظر فيما يصحح أعماله في عبادة ربه على طريقة متابعة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ثم يتوب إلى اللّه تعالى مما جناه على نفسه من الذنوب صغيرها وكبيرها عمدها وخطئها وسهوها ، ويرد المظالم إلى أهلها ثم يأخذ في طريق تجريد النفس عن حب الدنيا مالا وجاها وغير ذلك من باقي حظوظ النفس وعاداتها ومألوفاتها فيجد في طريق خلافها على سبيل التدريج شيئا فشيئا حتى لا تمل ويبعد عن أبناء الدنيا المشتغلين بها وعن مشاهدة ما تميل إليه النفس بطبعها الخسيس ، وكل ذلك يكون على يد شيخ موفق عالم بطريق الوصول إلى اللّه تعالى والحذر كل الحذر من مخالفته أو الاعتراض على شيء يبدو منه في حركاته وسكناته ، فإذا احتاج إلى شيء سأله عنه على وجه الاستفهام بغاية الأدب والخشوع ، فإذا سلك على الطريق الذي قدّمناه ، ودام كذلك على فعل ما يرضي مولاه رجي له الخير والسداد ، وثبت في ديوان المحبين المحبوبين من العباد . ( قوله : لما أثبتنا طرفا الخ ) أشار بذلك إلى أنّ ما ذكره نبذة لطيفة وإلا فمواهبه تعالى وإنعاماته على عباده لا تستقصى فلا طريق إلى سبر أهل المواهب رضي اللّه تعالى عنهم . ( قوله : في سير القوم ) أي التي نقلت عن ثقات الأمة وعدولهم . ( قوله : أبوابا ) جمع باب وهو لغة فرجة في ساتر يتوصل منها من خارج إلى داخل وبالعكس ، وعرفا جملة من العلم مشتملة على فصول ومسائل غالبا .
( قوله : من المقامات ) جمع مقام وهو ما يدوم للعبد من الأخلاق المحمودة والحال مما لا يدوم له . ( قوله : أردنا أن نختم الخ ) أي بذلا للنصيحة لهم وشفقة ورحمة بهم كما هو لازم لأخوة الدين واللّه خير الشاهدين . ( قوله : حسن توفيقهم ) التوفيق خلق قدرة