بخالف وغوى بتغير حاله عما كان عليه ( وأما إن ) أي أنّه ( يكون محفوظا حتى لا يصر على الذنوب إن حصلت ) منه ( هنات ) أي خصلات شر ( أو آفات أو زلات ، فلا يمتنع ذلك في وصفهم ) بالولاية الأولى وصفه ، فالولي يحفظ مما يجوز وقوعه فإن وقع في ذنب تاب منه سريعا ومحي أثره عنه ، والنبي يمتنع أن يقع له ما يجوز وقوعه فحفظ الولي مما ذكر جائز وإن وقع له وتاب منه كان ذلك من جملة الحفظ له أيضا ، ولا يخرجه ذلك عن كونه وليا للّه .
( ولقد قيل للجنيد رحمه اللّه : العارف ) باللّه هل ( يزني يا أبا القاسم ؟ فأطرق ) رأسه ( مليّا ) بتشديد الياء أي طويلا ( ثم رفع رأسه وقال : وكان أمر اللّه قدرا مقدورا ) أشار إلى أنّ وقوع الذنب من الولي لا ينافي ولايته بأن يحفظه اللّه بالتوبة منها سريعا .
( فصل فإن قيل : فهل يسقط الخوف عن الأولياء قيل : أما الغالب على ) الأولياء ( الأكابر ) فكان هو ( الخوف ) كما مرّ بيانه حتى تمنى عمر رضي اللّه عنه مع
شرح
( قوله : حتى لا يصر الخ ) الذي يظهر من كلامه أنّه يبعد حفظه من كل وجه بحيث لا يلابس ذنبا أصلا ، وهو كذلك باعتبار ما جبلت عليه نفس البشر واللّه تعالى على كل شيء قدير . ( قوله : تاب منه سريعا الخ ) أي ويشهد له خبر « المؤمن مفتن تواب » أو كما ورد . ( قوله : كان ذلك من جملة الحفظ له ) أي بواسطة إلهام الرجوع سريعا . ( قوله :
العارف باللّه الخ ) المراد به العالم بربه على قدر طاقته الذي توالى على قلبه ذكر ربه ومراقبته حتى فني في ذلك عما سواه تعالى .
( قوله : فأطرق رأسه الخ ) أقول : لم يكن ذلك منه لتذكر الجواب بل للإشفاق مما يجوز في حقه رضي اللّه تعالى عنه . ( قوله : وكان أمر اللّه قدرا مقدورا ) أي فلا يمكن تخلف ما قدره اللّه على عبده بل لا بد من وقوعه ، ولو كان من قدر عليه وليا من أوليائه ، وحينئذ فالفرق بينه وبين غيره من عوام الأمة عدم إصراره على ما قدر عليه من المخالفات بل يوفق للتوبة والرجوع سريعا بخلاف غيره ، وسبحان من لا يسأل عما يفعل واللّه أعلم .
( قوله : فصل فإن قيل الخ ) محصله أنّ الخوف من نعت العبد الغالب عليه تحقيق للعبودية ، فخروجه عن ذلك نادر بواسطة إخبار معصوم أنّه يموت مؤمنا ومع ذلك قد تخلف الخوف الهيبة والجلال بل ربما يكون تأثير ذلك أشد من تأثير الخوف فالولي دائما دائر بين الخوف والهيبة لا ينفك عن ذلك أبدا نعم قد يسقط الخوف بالنسبة لمن دخلت نفسه حرم الأمن بإشارةجَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ[ العنكبوت : 67 ] فإنّ النفس وقواها إذا دخلت حرم القلب أمنت من غوائل الهوى والشيطان ، وإذا أمنت عم الأمان الجوارح ، وإذا خرجت منه فقد تعرضت لتخطف الهوى والشيطان نعم في النادر من يدخل ذلك الحرم واللّه أعلم .