يسرع في الجواب بقوله :
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ
[ المائدة : 117 ] بل صدّر الكلام بتنزيهه تعالى وبإضافة علم ذلك إليه وبتنزيه نفسه عما أضيف إليه حفظا لشريف الآداب فقال :
سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ
[ المائدة : 116 ] الخ ، ثم أجاب بقوله :
اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ
[ المائدة : 117 ] .
( وقال تعالى :
قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً
) [ التحريم : 26 ] ( جاء في التفسير عن ابن عباس ) أنّ معناه ( فقهوهم وأدبوهم ) بالعلم ونحوه ليصيروا متأدّبين مع الحق والخلق ( أخبرنا عليّ بن أحمد الأهوازي رحمه اللّه قال : حدّثنا أبو الحسن الصفار
شرح
مبني على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنّه قيل : ماذا يقول عيسى عليه السلام حينئذ فقيل : قال : الخ وإيثار صيغة الماضي لتحققه على ما تقدم مرارا في مثل ذلك ، وقوله :
سبحانك سبحان علم للتسبيح وانتصابه على المصدرية ، ولا يكاد يذكر ناصبه ، وفيه من المبالغة التنزيه من حيث الاشتقاق من السبح الذي هو الذهاب والإبعاد في الأرض ، ومن جهة النقل إلى صيغة التفعيل ، ومن جهة العدول من المصدر إلى الاسم الموضوع له خاصة المشير إلى الحقيقة الحاضرة في الذهن ، ومن جهة إقامته مقام المصدر مع الفعل ما لا يخفي ، أي أنزهك تنزيها لائقا بك من أن يقال ذلك في حقك ، وقوله : ما يكون لي أنّ أقول ، ما ليس لي بحق استئناف مقرر للتنزيه ، ومبين للمنزه منه ، وما عبارة عن القول المذكور أي ما يستقيم وما ينبغي لي أن أقول قولا لا يحق لي أن أقوله ، وإيثار ليس على الفعل المنفي لظهور دلالته على استمرار انتفاء الحقيقة وإفادة التأكيد بما في خبره من الباء ، فإنّ اسمه ضميره العائد إلى ما ، وخبره بحق ، والجار والمجرور فيما بينهما للتبيين كما في سقيا لك ونحوه ، وقوله تعالى :إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ[ المائدة : 116 ] استئناف مقرر لعدم صدور القول عنه عليه الصلاة والسلام بالطريق البرهانيّ ، فإنّ صدوره عنه مسلتزم لعلمه تعالى به قطعا ، فحيث انتفى علمه تعالى بصدوره عنه انتفى ذلك الصدور حتما ضرورة أنّ عدم اللازم مستلزم لعدم الملزوم ، وقوله : تعلم ما في نفسي استئناف جار مجرى التعليل لما قبله ، فكأنه قيل : لأنّك تعلم ما أخفيه في نفسي ، فكيف بما أعلنه ، وقوله : ولا أعلم ما في نفسك بيان للواقع وإظهار لصوره أي ولا أعلم ما تخفيه من معلوماتك ، وقوله : في نفسك للمشاكلة ، وقيل : المراد بالنفس الذات ، ونسبة المعلومات إليها لأنّها مرجع الصفات التي من جملتها العلم المتعلق بها ، وقوله : إنّك أنت علام الغيوب تعليل لمضمون الجملتين منطوقا ومفهوما ، واللّه أعلم . ( قوله : جاء في التفسير الخ ) أفاد بذلك أنّ الأدب المقصود النافع إنما هو الأدب المحمديّ والخلق الأحمديّ ، وإن لم يكن بشاهد تحسين العقل . ( قوله : ليصيروا متأدّبين مع الحق والخلق ) أي بالقيام بحق كل منهما . ( قوله : أن يحسن اسمه ) أي ويجتنب ما يكره شرعا كعبد