( ثم قال لي : أيطربك هذا فقلت : لا فقال : ما لك حس ) لعل إطرابه إنما كان لتضمنه معاني حسنه يختص بإدراكها بعض الناس دون بعض لا لمحض الصوت ، فإنّ حسن الصوت لا ينكره أحد كما مرّ ( وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما أذن اللّه ) أي ما استمع ( لشيء كإذنه ) بفتح الذال أي كاستماعه ( لنبي ) حسن الصوت ( يتغنى بالقرآن » ) أي يجهر به والمراد باستماعه له الرضا والقبول ( أخبرنا علي بن أحمد الأهوازي رحمه اللّه قال :
أخبرنا أحمد بن عبيد قال : حدثنا ابن ملحان قال : حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب أنّه قال : أخبرني أبو سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لم يأذن اللّه لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن » وقيل : إنّ داود عليه السلام كان يستمع لقراءته الجن والإنس والطير والوحش إذا قرأ الزبور ، وكان يحمل من مجلسه أربعمائة جنازة ممن قد مات ممن قد ( سمعوا قراءته ) وموعظته وفي نسخة من سماع قراءته ( وقال صلى اللّه عليه وسلم لأبي موسى الأشعري ) أي في شأنه : « لقد أعطي مزمارا
شرح
لا يبدأ به العدد ، فلعل المنع من هذه الجهة . ( قوله : فقال : ما لك حس ) أي إحساس تدرك به الطرب من ذلك الصوت . ( قوله : إنما كان لتضمنه معاني حسنة ) أي وهي من غذاء الأرواح وحياة القلوب التي هي محل تجلي الحق تعالى ، وخزائن أسراره ، فإذا تجلى فيه الحق تجليا جماليا أو جلاليا قام القلب بإذنه تعالى خليفة عنه في أرضه فيبرزه إلى عوالمه وجوارحه الجثمانية ، فكان القلب حينئذ حاجب الحق تعالى ، وكان أيضا بمقتضى ذلك الاستخلاف كأنّه رب الأسرار التي دونه من النفس ، وما فوقها وما دونها ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ[ الفجر : 28 ] يعني القلب فافهم أو سلم تسلم .
( قوله : وقال رسول اللّه الخ ) أقول : وهو أقوى ما يستدل به على مدح الصوت الحسن وإباحة سماعه بل طلب سماعه . ( قوله : لم يأذن اللّه لشيء الخ ) قال بعضهم :
المراد بالتغني بالقرآن الجهر به يعني ما استمع لشيء كاستماعه لنبي يجهر بالقرآن لأنّ أصل الغناء لغة رفع الصوت ، وبهذا فسره في آخر الخبر فقال : يجهر به فلا يجوز القرآن بالتحلين وإنما معنى الحديث التحبير والتحزين ، قال بعضهم : فإن سألوا عن معنى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « زينوا القرآن بأصواتكم » أقول : معناه التحزين ، قال شعبة : نهاني أيوب أن أتحدث بهذا الحديث مخافة أن يتأول على غير وجهه . ( قوله : لم يأذن اللّه لشيء الخ ) المعنى على ما تقدّم من القبول والرضا .
( قوله : كان يستمع لقراءته الجن الخ ) أي وذلك لحسن صوته وتأثير موعظته في قلوب السامعين . ( قوله : وكان يحمل الخ ) أي وسببه شدّة تأثرهم بالسماع منه عليه السلام . ( قوله : لقد أعطي مزمارا الخ ) أي حيث كان حسن الصوت ، ولكلامه تأثير في