تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
الحاء أي الإحمال ( فيهون عليه ) ذلك ( بالحداء قال اللّه عز وجل :
أَ فَلا يَنْظُرُونَ
) أي نظر اعتبار
إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
[ الغاشية : 17 ] ليستدلوا بها على قدرة اللّه تعالى على إلهامه لها السكون إلى الأصوات الحسنة ( وحكى إسماعيل بن علية ) أنّه ( قال : كنت أمشي مع الشافعي رضي اللّه عنه وقت الهاجرة فجزنا بموضع يقول : ) أي ينشد ( فيه أحد ) الأولى واحد ( شيئا فقال ) لي : ( مل بنا إليه ) لنسمع صوته فملنا إليه فسمعناه
شرح
بأحبار المسلمين وعلمائهم ، وتقتدي بالإبل والأطفال ، واعلم أنّ السماع طبعا من جهة الاستنباط هو جاسوس القلب ، وسارق المروءة والعقول به تتغلغل من مكامن القلوب ويطلع على سائر الأفئدة ويثير الشهوة والسخافة والرعونة ، فترى الرجل وعليه سيما الوقار وبهاء العقل ، وبهجة الإيمان ، وعظمة العلم كلامه حكمة ، وسكوته عبرة ، وهو إذا سمع اللهو نقص عقله ، وقلّ بهاؤه وحياؤه ، وذهبت مروءته فيستحسن ما كان قبل السماع يستقبحه ويبدي ما كان قبل يكتمه ، فينتقل من السكون إلى كثرة الكلام والكذب والهزهزة ، فيميل برأسه ويهز منكبيه ، ويدق الأرض برجليه ، وهكذا كما تفعل الخمرة إذا مالت بشاربها فمثله مما يجب أن يجتنب واللّه أعلم . ( قوله : فإنّ الطفل يسكن الخ ) أقول : وذلك عجيب إذ التحريك مناف للتسكين ، فالطفل بمهده لما عجز عن الحركة بمانع الضعف والكتف بالقماط حركه مربيه بتنزله إلى طوره ومناغاته بما يبسطه ويزيح قبضه فيسكن عن ذلك الاضطراب ، فهكذا حال المريد السامع إذا هاجت بلابل أشواقه ، وفاضت سواكب إغراقه ، وهمّ أن يخرج من وجوده بشاهد تمزيق أطماره وأطواقه حركه ربه وهو بمهد أرض طبيعته الكائنة من لطيفته ، فكان حاله مطابقا لحال الوليد ، فدام بوارد صدقه في رتب أهل المزيد ، هذا ، ولا يخفى أنّ كلا منا في السماع لا بالطبع ولا بالشهوة الحيوانية ، وحينئذ فما معنى هذا الاستدلال . ( قوله : والجمل يقاسي الخ ) أي مع بهيميته فالأولى أن يكون كذلك النوع العاقل من البشر . ( قوله : بالحداء ) أي صوت الحادي بالحداء . ( قوله : أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ) استئناف مسوق لتقرير ما فصل من حديث الغاشية ، وما هو مبني عليه من البعث الذي هم فيه مختلفون بالاستشهاد عليه بما لا يستطيعون إنكاره ، فالهمزة للإنكار والتوبيخ ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام وكيف منصوبة بما بعدها معلقة لفعل النظر ، والمعنى أينكرون البعث من قدرة اللّه فلا ينظرون إلى الإبل التي هي نصب أعيانهم كيف خلقت خلقا بديعا معدولا عن سنن خلق سائر الحيوان في عظم جثتها وقوّة شدّتها اللائقة بتأتي ما يصدر عنها من الأفاعيل كالنوء بالأوقار الثقيلة إلى الأقطار النازحة ، وفي صبرها على الجوع والعطش واكتفائها باليسير من شوك ونحوها مما لا يكاد يرعاه غيرها . ( قوله : الأولى واحد ) فيه أنّ أحد بمعنى واحد لأنّ أصله وحد من الوحدة نعم أحد