بني آدم من ظهورهم ذرّياتهم وأشهدهم على أنفسهم ( ألست بربكم قالوا : بلى استفرغت عذوبة سماع الكلام ) المخاطب به ( الأرواح ) فالمراد بالذرية والذر الأرواح التي خلقت قبل الأشباح ( فلما سمعوا السماع حركهم ) السماع ( ذكر ذلك ) الذي خوطبوا به ، فالأرواح كلها أقرت بالربوبية ، وعلى هذا حمل خبر « كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه » « 1 » وهي فطرة اللّه التي فطر الناس عليها ، فمن سبق في علمه تعالى أنّه يدوم على الفطرة بعد خلق جسمه ، ويكمل شرف روحه بالطاعات وبالمواهب الربانية قرّت روحه إليه تعالى عند طروق سماعه ما يذكره ذلك الميثاق ( سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه اللّه يقول : السماع حرام على العوام لبقاء نفوسهم ) فهي لما تسمعه من الشعر ونحوه بالألحان مائلة إلى ما اعتادته من الشهوات ( مباح للزهاد لحصول مجاهداتهم ) لأنّهم عرفوا اللّه وجاهدوا أنفسهم في طلبه وأعرضوا عنها ، فلا يتضررون بالسماع بل يرجى لهم به الانتفاع ( مستحب لأصحابنا ) الصوفية الذين ارتقوا عن مجاهدة أنفسهم ، وغلب على قلوبهم مناجاة ربهم ، وتمكنوا في الأحوال حتى صارت مقامات ( لحياة قلوبهم ) فالسماع في حقهم يزيدهم حياة وقربا ، ويوالي عليهم برا ولطفا ( سمعت أبا حاتم السجستانيّ يقول : سمعت أبا نصر الصوفيّ يقول : سمعت الوجيهيّ يقول : سمعت أبا عليّ
شرح
الميثاق بالإيمان . ( قوله : الأرواح التي خلقت قبل الأشباح ) فيه إنّ الأرواح حادثة ، وهو كذلك وإن كانت مما لا يفنى بعد على الصحيح في ذلك كله واللّه أعلم .
( قوله : كل مولود يولد على الفطرة ) أي على معنى أنّه لو خلي ونفسه لدام على توحيد اللّه تعالى ، وهذا كما ترى لا ينافي استعداد كل على حسب قسمته الأزلية من خير وشر واللّه أعلم . ( قوله : السماع حرام على العوام الخ ) أي فيختلف حكم السماع باختلاف حال السامع قوّة وضعفا ، وكله فيما إذا كان بدون آلات الملاهي ، وإلا فهو ممنوع منه مطلقا ، وكذا لو كان من امرأة أو أمرد جميل مع خوف الفتنة فيهما .
( قوله : لحياة قلوبهم ) أي والحق تعالى ناظر إلى حياتها ويحبه حتى قيل : إنّ القلب أفضل من الكعبة لأنها خلقت من أجله قال تعالى :جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ[ المائدة : 97 ] وخلق القلب وما حواه من الأسرار من أجل اللّه تعالى الواحد القهار كما قال تعالى :وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي[ طه : 41 ] وما خوطب به موسى الكليم فبصدده كل عارف وعالم فافهم . ( قوله : متع بهن في الدنيا ) أي وفي الآخرة أيضا لأنها
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ( قدر 25 ) .