أحسن ما قيل في هذا الباب : ) أي باب التصوف ( قول من قال : هذا طريق لا يصلح إلا لأقوام قد كنس اللّه بأرواحهم المزابل ) لانتفاء جميع المشغلات من الشهوات عنهم بمعرفتهم قدر نفوسهم لأنّ العبد إذا عرف قدر نفسه في أطواره ذلت نفسه ، وصغرت عنده وسلم من عجبه وكبره ، وبهذا سهل عليه أن يكنس به المزابل ، ويرمى للكلاب .
( ولهذا قال رحمه اللّه يوما لو لم يكن للفقير إلّا روح فعرضها على كلاب هذا الباب ) يعني مبغضي هذه الطائفة ( لم ينظر كلب إليها ) نظر استحسان لستر حالها عنهم وحقارتها عندهم ، ( وقال الأستاذ أبو سهل الصعلوكيّ : التصوّف الإعراض عن الاعتراض ) على الأقدار الجارية على خلاف المحبة بالاختيار ، فالصوفي لا يلتفت إليها ويعرض عنها علما منه بأنّ الحق تعالى أرحم به وأعلم بمصلحته ، ( وقال الحصريّ : الصوفي لا يوجد بعد عدمه ، ولا يعدم بعد وجوده ، قال الأستاذ القشيريّ :
وهذا فيه إشكال ) وقلق ( و ) الذي يظهر أنّ ( معنى قوله : لا يوجد بعد عدمه أي إذا فنيت آفاته ) من شهواته وعاداته الحقيرة ورزقه اللّه بدلها التنعم بقربه واللذة بمناجاته ، والاطلاع على غرائب كراماته ( لا تعود تلك الآفات ) إليه لكمال شغله بما رزقه من المقامات الشريفة ، ( وقوله : ولا يعدم بعد وجوده يعني إذا استقبل بالحق ) ورزق تلك المقامات الشريفة ( لم يسقط ) عنها ( بسقوط الخلق ) فلا يعدمه الحق عنها بعد أن
شرح
من الأحوال الشريفة . ( قوله : كنس اللّه بأرواحهم الخ ) المراد تخليصهم من رعونات النفوس حتى تهذبوا غاية التهذيب ، وذلوا له تعالى غاية الذلة . ( قوله : لأنّ العبد إذا عرف قدر نفسه في أطواره ) أي في أحواله الوجودية والعدمية ابتداء وانتهاء من كونه ماء قذرا ، ثم علقة ، ثم مضغة ، ثم صورة مصوّرة ، ثم بعد استيفاء ما قدر له من الأجل والرزق يصير عدما محضا .
( قوله : لم ينظر كلب إليها ) أي بواسطة قوّة الحجاب الذي بينه وبينها . ( قوله :
التصوّف الإعراض الخ ) أي البعد عن الاعتراض على الأقدار بمعنى الأشياء المقدورة ، وإلا كان من قبيل صريح الكفر والعياذ باللّه تعالى . ( قوله : على الأقدار الجارية ) أي المقدّرات التي لا تلائم حظ النفس . ( قوله : فيه إشكال ) أي خفاء وقلق أي قلاقة وعدم وضوح .
( قوله : لا تعود تلك الآفات الخ ) أي وعدم عودها فضلا من اللّه تعالى ورحمة وجريا على عادته تعالى فيمن اشتغل به حتى فني عما سواه أن لا يسلبه ما أنعم به عليه .
( قوله : يعني إذا استقبل بالحق الخ ) لا يخفى عليك حينئذ أنّه من عطف اللازم على الملزوم .