محمد بن بشر قال : حدثنا الحسين بن منصور قال : حدثنا داود بن معاذ قال :
سمعت مجالدا يقول : كان الحجاج بن فرافضة معنا بالشأم فمكث خمسين ليلة لا يشرب الماء ولا يشبع من شيء يأكله ) إذ العبد قد يستغني عن الماء مدة طويلة بخلاف الطعام لأن فيه من البلة وما تشربه من الماء ما يكفيه . ( وسمعته ) أيضا ( يقول : سمعت أبا بكر الغزالي يقول : سمعت محمد بن علي يقول : سمعت أبا عبد اللّه أحمد بن يحيى الجلاء يقول : دخل أبو تراب النخشبي من بادية البصرة مكة حرسها اللّه تعالى فسألنا عن أكله فقال : خرجت من البصرة وأكلت بنباج ) بكسر النون قرية بالبادية أحياها عبد اللّه بن عامر قاله الجوهري : ( ثم ) أكلت أيضا ( بذات عرق و ) خرجت ( من ذات عرق إليكم فقطع ) أبو تراب ( البادية بأكلتين ) لطيّ الأرض له أو لكونه لم يأكل الطعام وكل منهما خارق للعادة فهو كرامة . ( وسمعته ) أيضا ( يقول :
حدثنا علي بن النحاس المصري قال : حدثنا هارون بن محمد الدقاق قال : حدثنا أبو عبد الرحمن بن الدرقش قال : حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال : سمعت عبد العزيز بن عمير يقول : تجوّع صنف من الطير أربعين صباحا ثم طاروا في الهواء فرجعوا بعد أيام فكان يفوح منهم رائحة المسك ) فيه إشارة إلى أنّ من طال جوعه تطهر من دنسه ، وفاحت منه رائحة طيبة لما أدركه من كثرة شغله بربه والطير في كلامه نزله في منزلة من يعقل ، فأعاد عليه ضميره . ( وكان سهل بن عبد اللّه إذا جاع قوي ) لتعوّده الجوع ( وإذا أكل شيئا ) زائدا على ما تقوم به البنية ( ضعف ) لضعف أمعائه عن حملها الطعام . ( وقال : أبو عثمان المغربي الرباني ) أي المنسوب إلى الرب أي المالك ( لا يأكل في أربعين يوما والصمداني ) أي المنسوب إلى الصمد أي :
شرح
( قوله : دخل أبو تراب الخ ) قد تقدمت هذه القصة فلا تغفل . ( قوله : صنف من الطير الخ ) يشير إلى تنبيه النوع العاقل بإفادة خلق غيره مما لا يعقل عى أن يتخلق خلقه ، ولا سيما إذا تأمل ما يترتب على ذلك من ذكاء الرائحة ، وخفة الطيران لتكثر أعماله ويسمو مقداره ، واللّه هو الموفق لمن يشاء من عباده . ( قوله : وكان سهل بن عبد اللّه الخ ) أقول : وهكذا شأن النفس في كامل مألوفاتها إذا استرسل معها صاحبها تزيد شهواتها ، وتكثر غفلاتها ، وتفحش بطالتها ، ثم إذا قام عليها بالسياسة والرياضة انكفت عن ذلك ، وعظم انقيادها ، ودام تسديدها ، ويصرح بذلك قول صاحب البراءة :والنفس كالطفل إن تهمله شبّ على * حب الرضاع ، وإن تفطمه ينفطم( قوله : الرباني لا يأكل الخ ) أي وذلك لحسن تربيته بألطاف ربه ، وقوله :
والصمداني لا يأكل الخ أي بإعانة من له الأمر كله ، فاللّه تعالى يرزقنا التوفيق على يد أحسن رفيق .