لأنّ حال العبد مع الجوع في عبادته بعض الليل أقرب إلى الخشوع والتلذذ بها من قيامه وهو شبعان كل الليل كما هو معروف عند أهله . ( وسمعته ) أيضا ( يقول :
سمعت أبا القاسم جعفر بن أحمد الرازي يقول : اشتهى أبو الخير العقلاني السمك سنين ) وقد كان ترك شهوته له ليعوّد نفسه ترك شهواتها ، ودام على ذلك مدة وهو يجاهد نفسه في أن لا يعطيها شهوتها ، ولا يحل عهده مع اللّه تعالى ( ثم ظهر له ذلك ) أي السمك ( من موضع ) أي وجه ( حلال ) فأراد أن يأكل منه ( فلما مدّ يده إليه ليأكل ) منه ( أخذت شوكة من عظامه إصبعه فذهبت في ذلك يده ) تأديبا له لعدم وفائه بما عزم عليه من ترك شهوته ( فقال : يا رب هذا ) جزاء ( لمن مدّ يده بشهوة إلى حلال فكيف ) والعياذ باللّه ( بمن مدّ يده بشهوة إلى حرام . سمعت الأستاذ ) الإمام ( أبا بكر بن فورك ) رحمه اللّه ( يقول : شغل العيال ) أي الاشتغال بهم بكسب المال ، والقيام بحقوقهم ( نتيجة متابعة الشهوة ) بكسرها ( بالحلال ) من التزوج ونحوه ( فما ظنك بقضية شهوة الحرام ) أي إذا أشغلت العبد شهوة الحلال في أعمال الدنيا عن أعمال الآخرة فما ظنك بمن أشغلته فيها عن ذلك شهوة الحرام . ( سمعت رستم الشيرازي الصوفي ) رحمه اللّه ( يقول : كان أبو عبد اللّه بن خفيف في دعوة ) إلى طعام ( فمدّ واحد من أصحابه يده إلى طعام ) وفي نسخة إلى الطعام ليأكل منه ( قبل الشيخ لما كان به من الفاقة ) أي الحاجة ( فأراد بعض أصحاب الشيخ أن ينكر ) وفي نسخة ينكت ( عليه لسوء أدبه حيث مدّ يده إلى الطعام قبل الشيخ فوضع ) بعض أصحابه ( شيئا بين يدي هذا الفقير ، فعلم الفقير أنّه أنكر ) وفي نسخة نكت ( عليه لسوء أدبه ) بمد يده إلى الطعام قبل الشيخ ( فاعتقد ) أي عزم ( أن لا يأكل خمسة عشر يوما عقوبة لنفسه ، وتأديبا لها ، وإظهارا لتوبته ) وفي نسخة للتوبة ( من سوء أدبه وكان قد أصابته فاقة قبل ذلك ) حملته على مدّ يده قبل الشيخ ، ولا حاجة لهذا فقد قدم ما يغني عنه .
( سمعت محمد بن عبد اللّه الصوفي يقول : حدثنا أبو الفرج الورثاني قال : حدثنا عبد اللّه بن محمد بن جعفر قال : حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحرث قال : حدثنا
شرح
( قوله : أقرب إلى الخشوع ) أي لأنّ فراغ البطن يوجب زيادة نور الباطن الذي به ينال التلذذ بالعبادات والمناجاة . ( قوله : لعدم وفائه بما عزم عليه ) أي وقد قال تعالى :وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا[ الإسراء : 34 ] إن قلت : لم يجب الوفاء في هذه الحالة للإباحة بشاهد العلم قلت : نعم بالنسبة للعوام أما بالنسبة للخواص فيعاملون بالأشق لعلوّ همتهم ودوام رعايتهم .
( قوله : شغل العيال ) المراد الحث على علوّ الهمة بإفادة أنّ النفس إذا اشتغلت