صاحب الزعفراني قال : حدثنا محمد بن عبد اللّه عن أنس بن مالك ) رضي اللّه عنه ( أنه حدثه قال : جاءت فاطمة رضي اللّه عنها بكسرة خبز لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « ما هذه الكسرة يا فاطمة قالت قرص خبزته ولم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة » « 1 » فقال ) لها ( « أما أنه أوّل طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام » « 2 » وفي بعض الروايات جاءت فاطمة رضي اللّه عنها بقرص شعير ) فيه دلالة على طلب الجوع ، وليس المراد منه تعذيب النفس به بل تعويدها الكف عن الشهوات ، وخفة الجوارح للطاعات ، ولهذا كان ( الجوع من صفات القوم ) أي الصوفية ( وهو أحد أركان المجاهدة ) في الطاعة ( فإنّ أرباب السلوك تدرّجوا إلى اعتياد الجوع والإمساك عن الأكل ) الزائد على ما تقوم به البنية ( ووجدوا ينابيع الحكمة ) الحاصلة بالطاعة ( في الجوع وكثرت
شرح
( قوله : فقال لها أما أنّه أوّل طعام الخ ) تدبر ما تضمنه هذا الخبر من حال تقلل السيد الكامل ، وما تحمله لنيل زيادة الفضائل مع ما منحه اللّه تعالى من الكمالات ومعالي المقامات بل هو السر في كمال الإنسان ، والواسطة العظمى في سابق علم الرحيم الرحمن ، وتفكر في شفقة الولد على الوالد ، وبذل المقل الواجد لتتحقق ما أنت عليه من القسوة وغاية التقصير ، وذلك منك على خطر خطير ، فعسى أن تتأثر نفسك الخبيثة وتنزجر عن عاداتها الخسيسة فتتأسى بسيد الكائنات لتندرج مع كمل أهل السعادات رضي اللّه عنهم وأرضاهم .
( قوله : وليس المراد منه تعذيب النفس به الخ ) احترز بذلك عن قيام الإنسان على نفسه بغير شاهد العلم بأن يخلقها بغير المشروع مما يوجب تعذيبها أما سياستها بشاهد العلم فمندوب إليه مرغب فيه مثاب فاعله . ( قوله : ولهذا ) أي لما علم من طلب الجوع والتقلل ، وإنّه خلق محمدي وطريق أحمدي كان الجوع من صفات القوم ونعوتهم التي لا ينفكون عنها . ( قوله : وهو أحد أركان المجاهدة ) أي فهي لا تتحقق إلا بواسطة حيث هو السبب الأعظم في النشاط للعبادة ، وتنوير القلوب وإفاضته على الأسرار ، وإشراق النور على مرآة القلوب ، ولهذا زاد القوم فيه حتى اقتصروا على ما تقوم به البنية من الغداء طلبا للخيرات والجدّ في الإرادات .
( وقوله : تدرّجوا الخ ) أشار به إلى أنّه ينبغي القيام على النفس تدريجا لئلا تمل إذ هي بطبعها حرون روّاغة واللّه أعلم . ( قوله : ووجدوا ينابيع الحكمة في الجوع ) أي لما
هامش
( 1 ) أخرجه ابن سعد في ( الطبقات الكبرى 1 / 2 / 114 ) .
( 2 ) أخرجه العراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 3 / 80 ) والطبراني في ( المعجم الكبير 1 / 232 ) والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 7 / 391 ) وابن سعد في ( الطبقات الكبرى 1 / 2 / 114 ) والسيوطي في ( جمع الجوامع 4233 ) والمتقي الهندي في ( كنز العمال 16680 ) .