أشكر الناس ) لأنّ القنع يكتفي بما فتح اللّه به عليه فتكثر نعم اللّه عليه ، فيكون أشكر الناس بخلاف الشره لأنّه لا يرى من النعم إلا العظائم فيقل شكره ( وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا ) كاملا لأنّ محبة ذلك من أشرف الأخلاق وكمال الأخوّة في الدين ( وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما ) كاملا لأنّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « أوصاني جبريل بالجار حتى ظننت أنّه سيورثه » « 1 » ( وأقل الضحك فإنّ كثرة الضحك تميت القلب ) لتوالي الغفلات عليه عن أمر الآخرة كما قال تعالى :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
[ الأنعام : 122 ] فجعل الكفر والغفلة عن اللّه موتا ، والإيمان والطاعة والمعرفة باللّه
شرح
إذا كنت في نعمة فارعها * فإنّ المعاصي تزيل النعم
وداوم عليها بشكر الإله * فإنّ الإله سريع النقم
إذا تم شيء بدا نقصه * توقع زوالا إذا قيل تم( قوله : لأنّ القنع ) أي القانع من الخلق يكتفي الخ أي فهو لا يتشوف إلى زائد عما فتح اللّه به عليه بل يراه زائدا عما يستحقه فتكثر نعم اللّه عليه لأنّ ذلك ثمرة شكره بوعد الصدق ، قال تعالى : ( لئن شكرتم لأزيدنكم ) . ( قوله : ما تحب لنفسك ) أي مثل ما تحبه لها . ( قوله :
تكن مؤمنا ) أي تكن كامل الإيمان بمحبتك لغيرك من النعم مثل ما تحبه لنفسك ، وأكمل من ذلك إيثارك لغير ذلك بالفعل أو محبة إيثاره بالنعم . ( قوله : تميت القلب ) أي تزيده موتا وإلا فأصل الضحك يميته لأنّ سبب الضحك كثرة الغفلات ، وعموم الجهالات ، وذلك بإشارة :
« لو علمتم مثل ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا » اه .
فائدة : إذا عزم العبد الموفق على القناعة وأخذ الكفاف فليأخذه من وجوهه المحمودة شرعا ، ويبعد عن السبل المائلة إلى الانحراف ، وذلك ككسبه بنفسه من صناعة بالنصح ، أو تجارة بالصدق ، أو صيد البر والبحر أو ما يجري هذا المجرى ، واعلم أنّ أخس الاكتساب الأكل بالدين ، والتشبه بالزهاد ، وملازمة مواطن الصدقات مع دعوى التوكل إذ ذلك أوساخ مذمومة . ( قوله : فجعل الكفر الخ ) أقول : ذلك تقريب للعقول بما تعهد في الموت من عدم الإحساس لمن قام به ، وعدم انتفاعه بشيء لانقطاع أعماله ، وإلا فالكفر أقبح وأضر .
( قوله : والإيمان والطاعة والمعرفة باللّه حياة ) أي فكما أنّ الحياة تفيد الحس بالملذوذات وبها تتم المنافع ، فكذلك الإيمان وما عطف عليه بل فائدة ذلك المنافع الدنيوية والأخروية ، والمعيشة الهنية المرضية السرمدية .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد بن حنبل في ( المسند 2 / 458 ) والخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداد 1 / 291 ، 292 ) والسيوطي في ( الدر المنثور 2 / 159 ) وابن أبي شيبة في ( المصنف 8 / 359 ) .