أحسن نظرة ) بكسر الظاء أي تأخيرا وصبرا ( لي منك ) فيه إشارة إلى أنّ من كمل زهده في شيء قلت رغبته فيه وقوي صبره عنه ، ولم يذل نفسه في تحصيله ( وقيل لبعضهم : من أقنع الناس فقيل : أكثرهم للناس معونة ) على مقاصدهم ( وأقلهم عليهم مؤنة ) لأنّ من قنع بما يسره اللّه عليه تفرغ من هموم الدنيا ، وأعان الناس ، ومن رفع مؤنته عنهم ، ولم يزاحمهم فيما بأيديهم اكتفى بما يسره اللّه له ، ففي ذلك دلالة على كمال قناعته باليسير من الدنيا ، وهذا استدلال بثمرة القناعة عليها ( وفي الزبور « القانع غنيّ وإن كان جائعا » ) لأنّ غناه ليس بما يملكه أو يأكله بل بما يختاره اللّه له من جوع وشبع وغيرهما ، ( وقيل وضع اللّه تعالى خمسة أشياء في خمسة مواضع العز في
شرح
خير الناس أكثر مما تهرب من شرهم ، فإنّ خيرهم يصيبك في قلبك وشرهم يصيبك في يدك ، ولأن تصاب في بدنك خير من أن تصاب في قلبك ، ولعدوّ ترجع به إلى اللّه خير من صديق يصدك عن اللّه تدبر تفهم واللّه سبحانه أعلم .
تنبيه : منع اللّه تعالى عين عطائه ، وعطاء الخلق عين المنع ، فحيث كان كذلك وجب الإعراض عنهم بتحقق الإقبال عليه تعالى ، وذلك يوجب وجود إكرامه وإحسانه بلا مهلة ، ولا تراخ ، ولذا قال صاحب الحكم العطائية : جل ربنا أن يعامله العبد نقدا فيجازيه نسيئة ، قلت : فجزاء الحق جميعه معجل إذ الآتي قطعا كالموجود في الحال ، وذلك لأنّ الكريم إذا أعطى كمل وإذا خوّل نوّل ، وإذا تفضل أوصل ، والعبد فقير في الحال والمآل ، فيقدم له بالحكمة ما يحتاج إليه ويؤخر له بها ما تفضل به عليه ، فافهم واللّه تعالى أعلم .
( قوله : نفسي أحسن ) نظرة وجه ذلك البعد عن متابعة الشهوات وذل المنة والدين وحمل النفس على علو الهمة . ( قوله : أكثرهم للناس معونة ) فيه تنبيه على أنّ من قصر نظره على الحق ورضي بما أولاه بحكمه ثبت غناؤه وانتفع به أحباؤه ، وقوله : وأقلهم عليهم مؤنة أقول في وصية عليّ كرم اللّه وجهه ، لا تجعل بينك وبين اللّه منعما ، وأعدد نعمه عليك مغرما ، فلله در القائل ( شعرا ) :فلا ألبس النعما وغيرك ملبسي * ولا أقبل الدنيا وغيرك واهبيجبر اللّه صدع قلوبنا بالإقبال عليه ، ومنّ علينا في كل حال بالدوام بين يديه .
( قوله : وفي الزبور الخ ) أي فهي من الشرائع القديمة ، وقد أكدتها الشريعة الخاتمة .
( قوله : القانع غنيّ ) أي كالغني في استغنائه عن غيره ، فكما أنّ الغني لا ينظر إلى غيره استغناء بماله ، فكذلك القانع اكتفاء بقناعته قال تعالى :يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ[ البقرة : 273 ] .
( قوله : وقيل : وضع اللّه خمسة أشياء الخ ) أي جعلها متلازمة في الوجود ، ولا