تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 5

مساهمون:

ص٥
المشغلات والغفلة عن الطاعات ، والتلذذ بالمناجاة وسائر العبادات أخذا من الأدلة ، وقد تضمنت الأية الأولى أن اللّه يبتلي عباده بالجوع ليعلم صبرهم وقيامهم بحقه حال الشدة والرخاء ، وقد قال تعالى :
ألم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ
الآيتين [ العنكبوت : 1 ، 2 ] ( أخبرنا عليّ بن أحمد الأهوازي قال : أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار قال : حدثنا عبد اللّه بن أيوب قال : حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال : حدثنا أبو هاشم
شرح
وإن شبعت شكرت أي بصرف ما أنعمت به عليّ من القوى في طاعتكك لأنال ما وعدت به الشاكرين من عبادك . ( قوله : وفوائد ذلك ) أي التقلل المذكور كثيرة . ( قوله : وأقلها زوال المشغلات الخ ) أي التي تنشأ غالبا عن التوسع في الدنيا . ( قوله : ليعلم صبرهم ) أي ليظهر عمله للملأين وإلا فهو تعالى العالم بالعلم المطلق . ( قوله : وقد قال تعالى : ألم أحسب الناس الخ ) اعلم أن الحسبان ونظائره لا يتعلق بمعاني المفردات بل بمضامين الجمل المفيدة لثبوت شيء لشيء أو انتفائه عن شيء بحيث يتحصل منها مفعولا إما بالفعل كما في عامة المواقع وإما بنوع تصرف فيها . كما في الجمل المصدرة بأن والواقعة صلة للموصول الاسمي ، أو الحرفي ، فإنّ كلا منها صالحة لأن يسبك منها مفعولا لأن قوله تعالى :أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ[ العنكبوت : 2 ] في قوة أن يقال : أحسبوا أنفسهم متروكين بلا فتنة بمجرد أن يقولوا : آمنا أو أن يقال : أحسبوا تركهم غيره مفتونين بقولهم : آمنا حاصلا متحققا ، والمعنى على إنكار الحسبان المذكور واستبعاده ، وتحقيق أنّه تعالى يمتحنهم بمشاق التكاليف كالمهاجرة والمجاهدة ، ورفض ما تشتهيه النفس ، ووظائف الطاعات ، وفنون المصائب في الأنفس والأموال ليتميز المخلص من المنافق ، والراسخ في الدين من المتزلزل فيه ، ويجازيهم بحسب مراتب أعمالهم ، فإنّ مجرد الإيمان وإن كان عن خلوص لا يقتضي غير الخلاص من النار خلودا . روي أنها نزلت في ناس من الصحابة رضوان اللّه عليهم أجمعين جزعوا من أذية المشركين ، وقيل في عمار : قد عذب في اللّه ، وقيل في مهجع مولى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : رماه عامر بن الحضرمي بسهم يوم بدر فقتله فجزع عليه أبوه وامرأته ، وهو أوّل من استشهد يومئذ من المسلمين ، فقال : رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « سيد الشهداء مهجع وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة » « 1 » ، وقوله تعالى :وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ[ العنكبوت : 3 ] متصل بقوله : ( أحسب ) أو بقوله ( يفتنون ) والمعنى أن ذلك سنة قديمة مبنية على الحكم البالغة جارية فيما بين الأمم كلها فلا ينبغي أن يتوقع خلافها .
هامش
( 1 ) أخرجه القرطبي في ( التفسير 13 / 324 ) وابن حجر في ( الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 127 ) .