تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 4

مساهمون:

ص٤
وفي ذلك مدح على الجوع وترك الشهوة فهما مطلوبان ، وقد طلبا صريحا في الصوم . وروى الترمذي خبر « ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه حسب ابن آدم أكلات أي لقمات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه » « 1 » ومن ثم كان التقلل من الدنيا ممدوحا ، ولذلك زهد اللّه نبيه في الدنيا لما عرضت عليه جبال تهامة تسير معه ذهبا وفضة حيث شاء فقال : « يا رب أجوع يوما وأشبع يوما إن جعت تضرّعت وإن شبعت شكرت » « 2 » وفوائد ذلك كثيرة وأقلها زوال
شرح
العذاب ، وهو يفيد التلذذ بالبلوى ، ويقال له : الصبر على اللّه وهو من أخلاق العارفين ولذا قال قائلهم شعرا :ألفت الضنى حتى تطاول مكنه * فلو زال عن جسمي بكته الجوارح( قوله :وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْالخ ) [ الحشر : 9 ] أي يقدّمون غيرهم على أنفسهم بما يحتاجون إليه . ( قوله : وفي ذلك ) أي في عدّ الإيثار المذكور من أخلاقهم مدح أي ثناء عليهم بالجوع وترك الشهوة وهو يقتضي طلبهما ضمنا . ( قوله : وقد طلبا صريحا في الصوم ) أي الحكمة قمع النفس ورياضتها لتطهر من رجس حظوظها ومألوفاتها ، ثم إذا عملت ذلك تعلم قبح ما ظهر في هذا الوقت من تبديل هذه الحكمة بسيء البدعة المذمومة التي هي تكثير المأكولات والمشروبات لغرض المباهاة ، والعجب ، والفخر بالدنيا حتى صار الإنسان لا يدعو إلا مثله ، أو أعلى منه ليفتخر عليه بما أعدّه من ذلك التوسع ، فلا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . ( قوله : وروى الترمذي خبر الخ ) أي فقد جمع صلى اللّه عليه وسلم في هذا الخبر طب الأجسام وطب الأرواح ، كيف وهو عليه الصلاة والسلام طب القلوب والمعول عليه في هول الخطوب ، ما تقدم منها بتقدير العزيز في الدنيا ، وما تأخر بحكمة الحكيم في الأخرى ، فاللّه تعالى يرزقنا شرف متابعته ولا يحرمنا فضل شفاعته إنّه جواد كريم رؤوف رحيم . ( قوله : حسب ابن آدم ) أي كافيه ، وقوله : فإن كان لا محالة أي لا غنى له عن الأكل فيكفية ثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه بفتح الفاء لا غير . ( قوله : ومن ثم ) أي مما دلت عليه الآيات والأخبار كان التقلل في الدنيا ممدوحا أي مثنى على فاعله موعودا عليه بالأجر . ( قوله : ولذلك ) أي لكون التقلل ممدوحا زهد اللّه نبيه في الدنيا أي دله عليه وهداه إليه حين عرضت عليه الخ . ( قوله : إن جعت تضرّعت ) أي دعوتك مبتهلا
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( زهد 47 ) وأحمد بن حنبل ( 4 ، 132 ) . ( 2 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 5 ، 35 ) .
نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 4 | الشيخ عبد الله العروسي / عبد الوارث محمد على