قال اللّه تعالى :
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
[ الأحزاب : 4 ] والدنيا والآخرة ككفتي الميزان فمتى مالت إحداهما ارتفعت الأخرى . وقال ذو النون المصري مفتاح العبادة أي سببها الذي يتوصل به إليها ( الفكرة ) أي التفكر في كيفية إيقاعها فمن لم يتفكر فيها ولم يعلمها فقد ضل عن الهدى ، وعمل بمقتضى الهوى ( وعلامة الإصابة ) للمأمورات والمنهيات ( مخالفة النفس والهوى ومخالفاتهما ترك شهواتهما ) وفي نسخة ومخالفتها ترك شهواتها ( وقال ابن عطاء : النفس مجبولة ) أي مطبوعة ( على سوء الأدب ) لميلها لكل لذيذ ونفرتها عن كل كريه ( والعبد مأمور بملازمة الأدب )
شرح
( قوله : قال اللّه تعال :ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ[ الأحزاب : 4 ] أي فالآية الشريفة تفيد بما تضمنته من استحالة قلبين في جوف واحد ان الاشتغال بشيء لا يجامع الاشتغال بغيره ، فمن اشتغل بالدنيا أعرض عن الأخرى ، وبالعكس ، فالآية من قبيل مثل ضربه اللّه تعالى تمهيدا لما يعقبه من قوله :وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ[ الأحزاب : 4 ] الخ وقيل : هو رد لما كان العرب تزعم من أن اللبيب الأريب له قلبان ، وذكر الجوف للتقرير كما في قوله تعالى :وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ[ الحج : 46 ] . ( قوله : أي التفكر في كيفية إيقاعها ) أي اللازم له الأداء بشاهد العلم وفائق المراقبة حتى يرجى القبول ، وإلا كان العمل من الفاسد المعلول . ( قوله : وعلامة الإصابة الخ ) أي إمارة إصابة العبد وموافقته لصواب العمل الموصل إلى القبول ونيل المأمول ، مخالفة النفس والهوى أي إجراء العمل المتعبد به بشاهد الحق لا بشاهدهما .
( قوله : ومخالفاتهما ترك شهواتهما ) أي ولا يتم ذلك إلا بفعل المأمورات واجتناب المنهيات على أحسن طرق السداد . ( قوله : مجبولة الخ ) أي ولهذا المعنى إشارة الصديق بقوله :وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي[ يوسف : 53 ] الآية ، والمعنى أن النفس مستمرة منذ عقلت إلى وقت التكليف ، أو وقت اليقظة وسن الغفلة والرجوع إلى الاستقامة على الإقدام على ما خطر لها من الأفعال والإحجام عما تخشاه في الاستقبال مبادرة إلى الحال وإن كان فيه عطبها في المآل ، قال أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه : إذا أكرم اللّه عبدا في حركاته وسكناته نصب له العبودية بين عينيه ، وستر عنه الحظوظ ، وجعله يتقلب في عبوديته والحظوظ عنه مستورة كأنه في معزل عنها ، وإذا أهان اللّه عبدا في حركاته وسكناته نصب له الحظوظ وستر عنه العبودية ، فهو يتقلب في شهواته وعبودية اللّه تعالى عنه بمعزل وإن كان يجري عليه شيء منها في الظاهر .
( قوله : أي مطبوعة على سوء الأدب ) اعلم أن الأدب منحصر في المتابعة على سنن الشريعة المحمدية سواء في العبادات ومحاسن الأخلاق والعادات ، فمن خرج عن ذلك في حركاته وسكناته فهو قد أساء أدبه بمتابعة نفسه وهواه المنهي عنها بشاهد العلم .