ما أخاف على أمتي اتباع الهوى وطول الأمل فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق » « 1 » قال تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
[ الفرقان : 43 ] وقال :
وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ
[ الكهف : 28 ] وقال :
وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
[ ص : 26 ]
شرح
متابعته والاسترسال على مقتضاه ، وإنما كان ذلك أعظم ما يخافه لأنه الغالب فيهم بمقتضى الطبع ، فقل من ينجو منه إلا بإعانة الحق تعالى ، وقوله : وطول الأمل عطفه على اتباع الهوى من عطف السبب على المسبب كما لا يخفى ، كما أن قصر الأمل سبب في العدول عنه وسلوك طريق المتابعة بالتطبع ، والمجاهدة بشاهد العلم .
( قوله : فيصدر عن الحق ) أي لأن طبيعة النفس الميل إلى الدنيء والباطل ، ولهذا احتاجت في ردها عن ذلك إلى القيام عليها بسياسة الشرع . ( قوله : أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) أقول في ذلك مبالغة ومجاز بسبب زيادة انقياد النفس إلى الهوى مع الإشارة إلى أن ذلك من نوع الإشراك والعياذ باللّه تعالى .
تنبيه : اعلم أن حظوظ النفس بما طبعت عليه ترجع إلى الميل للذيذ والنفرة من الكريه ، والإنسان مع ذلك مأمور منهي موعود متوعد ، فينبغي له حينئذ إذا خطر له لذيذ أن ينظر فيه بشاهد العلم والعقل أهو جائز أو لا كمحرم أو مكروه ، فإن كأن الأول أقدم وشكر وإلا أحجم وزجر ، وأدب نفسه بما أدب به المتقون أنفسهم ، وزجرها بما زجروها به ، وذلك بالجد في المحظورات والمكروهات ، وبالتدريج في غير ذلك من المألوفات .
( قوله : قال تعالى :أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ[ الفرقان : 43 ] ) أي تعجب من حال من ترك متابعة الهدى إلى مطاوعة الهوى ، فكأنّه عبده ، أي أنظرت فرأيته فإن ذلك مما يفضي إلى العجب كان أحد الجاهلية يستحسن حجرا فيعبده ، فإذا رأى أحسن منه رفضه ورجع إلى الآخر ، فكأنه اتخذ آلهة شتى ، ولهذا قرىء آلهة هواه ، وقوله :وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ[ الجاثية : 23 ] أي خذله عالما ضلاله وتبديله لفطرة اللّه تعالى التي فطر الناس عليها .
( قوله : وقال : ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه ) أي لا تطع في تنحية الفقراء من مجلسك من أغفلنا قلبه أي جعلناه غافلا لبطلان استعداده للذكر بالمرة مثل أولئك الذين يدعونك إلى طرد الفقراء من مجلسك فإنهم غافلون عن ذكرنا على خلاف ما عليه المؤمنون ، وفي ذلك تنبيه على أن الشرف بحلية النفس لا زينة الجد والأصل ، وقوله : واتبع هواه أي وافق ما دعته نفسه الخبيثة الغافلة عن ذكر الرب وكان أمره فرطا ضياعا وهلاكا ، والتعبير عنهم بالموصول للإيذان بعلية ما في حيز الصلة للنهي عن الإطاعة لأولئك الغافلين المتبعين هواهم .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( حدود ، 24 ) ( فتن 59 ) ( زهد ، 2 ) وابن ماجة ( حدود ، 12 ) ( زهد ، 21 ) وأحمد بن حنبل ( 1 ، 22 ، 44 ، 3 ، 7 ، 30 ، 382 ، 4 ، 126 ، 5 ، 428 ، 429 ) .