تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
( وأما طول الأمل فينسي ) صاحبه ( الآخرة ) لاشتغاله حينئذ غالبا بالدنيا ( ثم اعلم أنّ مخالفة النفس ) في هواها ( رأس العبادة ) لما مرّ من الأدلة ( وقد سئل المشايخ ) الصوفية ( عن الإسلام فقالوا : ) هو ( ذبح النفس ) وفي نسخة النفوس ( بسيوف المخالفة ) وهو أول الطريق ، وذلك لأنّ النفس إذا اعتادت اللذات لا تنصرف إلى الطاعات إلا بالمجاهدات والتوبيخات الشديدة ، ومن ثم سميت هذه الأمور سيوفا وذبح النفوس قهرها ونقلها عن هواها ( واعلم أنّ من نجمت ) أي طلعت ( طوارق نفسه ) أي آثار خواطرها ( أفلت ) أي غربت من قلبه ( شوارق أنسه ) باللّه أي علاماته
شرح
( قوله : وقال : ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل اللّه ) أي ولا تتبع يا داود الهوى أي هوى النفس في الحكومات وغيرها من أمور الدين والدنيا ، فيضلك عن سبيل اللّه بالنصب على أنه جواب النهي ، والمعنى فيكون الهوى واتباعه سببا في ضلالك عن دلائله التي نصبها على الحق تشريعا وتكوينا . ( قوله : وقال : ولا تتبع الهوى الخ ) أي ولذا قيل : إنه رؤي رجل جالس في الهواء فقيل له بم نلت هذا فقال : تركت الهوى فسخر لي الهواء ، وقال إبراهيم الخواص : من ترك شهوة ولم يجد ثمرة الترك في قلبه فهو كاذب في تركها . ( قوله : وأما طول الأمل الخ ) لما ذكر دليل قبح متابعة الهوى بالآيات القرآنية شرع في ذكر دليل قبح طول الأمل بالأدلة العقلية ، فقال فيها : وأما طول الأمل فنسي صاحبه الآخرة أي ينسى ويلهى عن الاشتغال بأعمال الآخرة بسبب انهماكه في شهوات الدنيا وفي ذلك كناية عن الخذلان والطرد عن مدارج السعادة . ( قوله : رأس العبادة ) أي جماعها وأسها ، وذلك لأن بمخالفتها هواها يتحقق تكليفها بما أمرها مولاها . ( قوله : عن الإسلام ) أي الذي هو بمعنى الانقياد الظاهري والباطني ، وقوله : فقالوا : هو ذبح النفس الخ أقول : ترجع جميع الأخلاق المذمومة تحت كلمة واحدة ، وهي حب الدنيا وشهواتها ، ولذلك جعلها صلى اللّه عليه وسلم رأس كل خطيئة . ( قوله : هو ذبح النفس الخ ) فيه إشارة إلى أن إرجاع النفس عن هواها الذي هو بمقتضى سجيتها أمر في غاية الصعوبة يشبه الذبح لها ، وحيث كان كذلك فعلى الحاذق الجد في حالة كونه مستعينا باللّه تعالى فيه ، حيث أن سائر الممكنات في قبضة قدرته سبحانه وتعالى . ( قوله : وذبح النفوس قهرها ونقلها عن هواها ) أي وذلك يشبه الذبح لصعوبة مرارته عليها فكأنها قد ذبحت وعدمت حياتها بحسب ما فقدته من مألوفاتها وعاداتها . ( قوله : واعلم أن من نجمت الخ ) أي وذلك لأن طوارق النفوس من الظلمات ، وهي لا تجامع أنوار الطاعات التي هي من إمارات الأنس باللّه ، ولأن الاشتغال بشيء ينافي الاشتغال بغيره في حين واحد .