ولخبر : « من تواضع للّه رفعه » . ( والعز في التقوى ) لأنها سببه ( والحرّية ) التي توجب عدم المزاحمة على الأراذل في الأرزاق ( في القناعة ) بما في اليد ، وفي ذلك أنشدوا أطعت مطامعي فاستعبدتني . ولو أني قنعت لكنت حرا ، ( وسمعته أيضا يقول : سمعت الحسن الساوي يقول : سمعت ابن الأعرابي يقول : بلغني أنّ سفيان الثوري قال : أعز الخلق خسة أنفس عالم زاهد ) في الدنيا ( وفقيه صوفي ، وغني متواضع وفقير شاكر ، وشريف سني ) لأن من غلب عليه شيء امتنع عليه المصير عادة إلى ضدّه ، فالجمع بينهما عزيز شريف ، فالغالب على العالم معرفة وجوه الإستدلال ، فهو كامل معظم عند الناس ، ومن كان كذلك بعد عن الزهد في الدنيا لأنه غارق في معظمهما وهو الجاه ولهذا قيل : آخر ما يخرج من رؤوس الصدّيقين حب الرياسة والغالب على الفقيه معرفة الأحكام ورجوع الناس إليه فيها فيغلب اختلاطه بهم والصوفي منقطع بقلبه عنهم مشغول بربه والغالب على الغني الشهرة والكبر ويصعب عليه التواضع والغالب على الفقير الصبر على قلة النعم الدنيوية مع المشقة بعيدا عن الشكر عليها لفقده لها والغالب على الشريف المنتسب لأولاد النبي صلى اللّه عليه وسلم من أولاد فاطمة أنه لا يعظم أبا بكر وعمر رضي اللّه عنهما حق تعظيمهما فلا يكون سنيا . ( وقال يحيى بن معاذ : التواضع حسن في كل أحد لكنه في الأغنياء أحسن والتكبر سمج ) بإسكان الميم وكسرها أي قبيح ( في
شرح
من أشرف رداآت الإنسان ، ولهذا قد نوّه بها في أشرف المواطن عنه صلى اللّه عليه وسلم كقوله جل شأنه :سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا[ الإسراء : 1 ] . ( قوله : والعز في التقوى ) أي ومن أجل ذلك كانت خير الزاد أي أفضل ما يعده الإنسان للشدائد في المعاد . ( قوله : في القناعة ) أي الرضا بالمقسوم ، وعدم التشوّف إلى زائد وقوفا مع مراد الحق تعالى . ( قوله :
أطعت مطامعي ) أي استرسلت مع شهوات نفسي فاستعبدتني أي صيرتني عبدا بل الرق في ذلك أقوى ، وقوله : ( ولو أني قنعت ) أي رضيت بما قسمه اللّه لي بحكمته لكنت حرا أي لكنت تخلصت من رق شهواتي . ( قوله : أعز الخلق خمسة ) أقول : قد تكفل الشارح ببيان الوجه على أحسن منوال . ( قوله : حب الرياسة ) أي التقدم على الغير وسبب ذلك رؤية الفضيلة للنفس ، وهي من أقوى الحجب المانعة من نيل القرب . ( قوله : فيغلب اختلاطه بهم ) أي ويلزم من ذلك غالبا ميل قلبه إليهم . ( قوله : والغالب على الفقير الصبر الخ ) أي إذا كان موفقا وإلا فلا يصبر بل يقلق ويشكو . ( قوله : إنه لا يعظم أبا بكر وعمر ) أقول ولعل السبب حنو الطبع إلى الأصل ، فلما ثبت تقدمهما رضي اللّه تعالى عنهما بإرادة الحق وإشارة الصدق على أصلهم كان ذاك سببا في عدم زيادة تعظيمهما كما ينبغي واللّه أعلم .
( قوله : فلا يكون سنيا ) أي بل بدعيا لتركه سنة الجماعة وقد ثبت عنه صلى اللّه عليه وسلم خبر « إنما