تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل ولا المقامات العالية . ( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه اللّه يقول : سمعت عبد اللّه بن محمد الرازي يقول : سمعت محمد بن نصر الصائغ يقول : سمعت مردريه الصائغ يقول : سمعت الفضيل بن عياض يقول :
قرّاء الرحمن عز وجل أصحاب خشوع وتواضع ) لعلمهم باللّه وبأنفسهم ، وبما كلفهم به مولاهم من القيام بحقه وبعجزهم عن ذلك ( وقرّاء القضاة ) أي الولاة ( أصحاب عجب وتكبر ) غالبا لأنّ غالبهم يتقرب منهم لينال من دنياهم ، ويعظم جاهه ، وينفذ كلمته .
( وقال الفضيل ) أيضا ( من رأى لنفسه قيمة ) يفضل بها غيره ليتكبر عليه ( فليس له في التواضع نصيب ، وسئل عن التواضع فقال : تخضع للحق وتنقاد له وتقبله ممن قاله ) صغيرا أو كبيرا شريفا أو وضيعا حرا أو عبدا ذكرا أو غيره نظرا للقول لا للقائل ، فهو إنما يتواضع للحق وينقاد له ( وقال الفضيل : ) أيضا ( أوحى اللّه سبحانه إلى الجبال أني مكلم واحد منكم نبيا فتطاولت الجبال ) أي ترفعت غير طور سيناء ( وتواضع طور ) أي جبل ( سيناء فكلم اللّه سبحانه عليه موسى لتواضعه ) فيه دلالة على جواز خلق الحياة والفهم والإخبار والحركات في الجمادات . ( سمعت محمد بن الحسين رحمه اللّه يقول : سمعت علي بن أحمد بن علي بن جعفر يقول : سمعت إبراهيم بن فإنك يقول : سئل الجنيد عن التواضع فقال ) هو ( خفض الجناح ) للخلق ( ولين الجانب ) لهم ليقربوا منه فينتفعوا به ، ويكون بحيث أنه إن آذاه غيره بأذيّة حملها فلا يؤاخذه بها ، ( وقال
شرح
منخولا . ( قوله : قراء الرحمن الخ ) يشير إلى أنّ رتبة العبد بحسب ما أضيف إليه ، فمن انتسب إلى الرحمن وانقطع إليه عما سواه كان صاحب خشوع وتواضع بحسب ما ناله من شاهد علمه بربه وبنفسه ، ومن انتسب إلى غيره تعالى من أولي المظاهر لزمه غالبا العجب والكبر بواسطة كثرة غفلاته لعدم المنبه له ، فاختر لنفسك ما يحلو .
( قوله : لأنّ غالبهم يتقرب الخ ) أي فيكون أقل كسبه حينئذ إقراره إياهم على منكرات الأخلاق بل ربما يروّجها لهم بتمويهات الأباطيل .
( قوله : من رأى لنفسه قيمة الخ ) أي فمن ظن أنّه على شيء له به مقدار يفضل به غيره يكون من المتكبرين الجاهلين ، فليس له في التواضع الذي هو أكبر أسباب الرفعة نصيب . ( قوله : تخضع للحق الخ ) أي فالموفق من إذا سمع الحق رجع إليه على أي لسان كان سماعه . ( قوله : على جواز خلق الحياة الخ ) أي ولا مانع من ذلك ، فقد ثبت تسبيح الحصى في كفه صلى اللّه عليه وسلم . ( قوله : فقال هو خفض الجناح الخ ) أي امتثالا للشارع عليه الصلاة والسلام . ( قوله : حملها فلا يؤاخذه بها ) أي ويسهل هذا السبيل الرجوع إلى مصدر الكائنات مع احتمال حكمة التأديب والتربية .
( قوله : مكتوب الخ ) أي فالتواضع مندوب إليه وسبب لنيل الدرجات الكاملة حتى