كل أحد لكنه في الفقراء أسمج ) أي أقبح ، وذلك لوجود أسباب التكبر في الأغنياء من المال والجاه وغيرهما ، وفقدهما في الفقير فكان تواضع الأغنياء أحسن من تواضع الفقراء وتكبر الفقراء أقبح من تكبر الأغنياء . ( وقال ابن عطاء : التواضع قبول الحق ممن كان ) صغيرا أو كبيرا إلى غير ذلك مما مر نظيره ، وهذا معلوم من ذاك .
( وقيل : ركب زيد بن ثابت ) بغلته بعد ما صلى على جنازة ( فدنا ابن عباس ) منه ( ليأخذ بركابه فقال له : مه أي كف عن هذا ( يا ابن عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال :
هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا أي نكرمهم ونجلهم فأخذ زيد بن ثابت يد ابن عباس ) وفي نسخة فقال زيد بن ثابت : أرني يدك فأخرجها إليه ( فقبلها وقال : هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) ظاهره أنّه فعل ذلك مكافأة لما فعل معه حيث قبل يده التي أمسك بها الركاب ويحتمل أنّه فعل ذلك خوفا من دخول آفة الكبر والعجب عليه ، فيكون تعظيما لا مكافأة ، ويحتمل أنّه فعل ذلك للأمرين معا .
( وقال عروة بن الزبير رضي اللّه عنه : رأيت عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه وعلى عاتقه قربة ماء فقلت : يا أمير المؤمنين لا ينبغي لك هذا فقال : لما أتاني الوفود سامعين مطيعين دخلت في نفسي نخوة ) أي كبر وعظمة ( فأحببت أن أكسرها ) وأؤدبها ، وهكذا دأب الصالحين إذا رأوا من أنفسهم شيئا لا يليق أدبوها بمخالفة
شرح
يأكل الذئب من الغنم القاصية » « 1 » فاللّه تعالى يوفقنا لما عليه أهل السنة والجماعة . ( قوله :
التواضع حسن ) أقول : لا يطلب على وجود الشمس دليل . ( قوله : لوجود أسباب التكبر الخ ) أي وإن كانت ناشئة عن حمق وغفلة إذ المال والجاه لا يفتخر بهما إلا مع التوفيق في بذلهما بشاهد علم الشرع .
( قوله : وقيل : ركب زيد بن ثابت الخ ) تأمل يا أخي إنصاف أهل الشرف تعلم سبب ما خصهم اللّه به من المزايا والتحف ، فاللّه يوفقنا لمتابعتهم ولا يحرمنا من بركاتهم .
( قوله : ويحتمل أنّه فعل ذلك للأمرين معا ) أقول : وذلك هو اللائق بمثله نفعنا اللّه به .
( قوله : رأيت عمر بن الخطاب الخ ) انظر ما كان عليه رضي اللّه عنه وعناية من قوّة مراقبته أحواله تحفظا على مقامه ، وما أهل له من الفضل حيث كان دائم القيام على نفسه خشية إعجابها بما ظهر لها بسبب الرياسة ، وهذا يكون من الكمال ، واللّه تعالى ولي
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود ( صلاة 46 ) والنسائي ( إمامة 48 ) وأحمد بن حنبل ( 5 ، 196 ، 6 ، 446 ) .