باب الاستقامة
هي لغة : ضد الاعوجاج ، واصطلاحا : الاعتدال في السلوك عن الميل إلى
شرح
باب الاستقامة ( قوله : باب الاستقامة ) أقول : سئل بعضهم عن الطريق المقربة منه سبحانه وتعالى فأجاب بقوله : اعلم أنّ الأمور مبتدؤها ، والذي لا ينتفع بشيء إلا به العقل الذي جعله اللّه نورا لخلقه وزينة لهم ، فيه يعرف العباد خالقهم ، وإنّهم مخلوقون وأنّه المدبر ، وهم المدبرون ، وأنّه الباقي وهم الفانون ، واستدلوا به ، فعرفوا الحسن من القبيح ، وعلموا أنّ الظلمة في الجهل ، والنور في العلم ، واستدلوا به على أنّ الخالق لم يخلق عبثا ، ولا لعبا ، وبه علموا أنّ للخالق محبة وكراهية وطاعة ومعصية ، وعلموا به أنّهم لا يتوصلون إلا بالعلم أعني علم ما جاء به صلوات اللّه وسلامه عليه من الأمر والنهي ، والوعد ، والوعيد ، وغير ذلك ، وعلموا أنّهم لا ينتفعون بالعلم دون الإيمان ، فيعلم أنّ اللّه هو الحق وما سواه باطل ، وعلموا أنّهم لا ينتفعون بالإيمان بدون طاعة وبعد عن معصية ، وعلموا أنّ كلفة الأعمال لا تخف على الأنفس إلا بالصبر عليها ، وعلموا به أنّ ثقل الصبر إنما يخففه الرضا عن اللّه تبارك وتعالى بكل ما صنع بهم واختاره لهم وساقه إليهم ، وعلموا به أنّ الرضا إنما يتم لهم بالزهد في الدنيا والورع فيها ، وعلموا به أنّ ذلك لا يتم لهم إلا بالصدق ، وعلموا به أنّ الصدق لا يقوى إلا باليقين والثقة وعد به سبحانه وتعالى على لسان رسله ، فعلم من كلامه نفعنا اللّه ببركات علومه أنّ رأس أمر العبادة العقل ، والدليل العلم ، والنور الإيمان ، والسائق العمل ، والمقرب الصبر ، فمن لم تكن له قوّة على الصبر ضعف ومن ضعف لم يعمل ، ومن لم يعمل لم يتم نوره وبقي في ظلمة ، ومن ذهب عنه النور عمي وحاد عن الطريق ، ومن لم يبصر فليتبع الدليل ، وهو القرآن يهدي اللّه لنوره من يشاء ، واللّه أعلم .
واعلم أنّ الاستقامة قد تكون مما طبع عليه بعض العبيد لسبق عناية اللّه تعالى بهم لكونهم بسابق القضاء على وجه الحكمة من سعداء الدارين المحبين المحبوبين ، وقد نظر ما بعد نفوذ القضاء ، والقدر بالنسبة للبعض الآخر ، وعلى كل حال فدوامها من أكبر أسباب السعادة رزقنا اللّه تعالى وأحبتنا الاستقامة ودوامها حتى نلقاه آمنين من جميع