جهة من الجهات ، ويقال : هي أن لا يختار العبد على اللّه شيئا ويقال غير ذلك ،
شرح
المخاوف ، ثم اعلم أنّ الإمام الأجلّ أبا بكر عتيق السمنطاريّ نفعنا اللّه ببركات علومه ذكر فصلا جامعا في الاستقامة وكيفية السلوك رأيت نقله لكثرة فرائد فوائده . قال رضي اللّه عنه : فصل جامع في السير إلى المولى عز وعلا ، فأوّل الاستقامة أنّهم بدأهم اللّه تعالى بالإرادة لهم في سابق علمه قبل أن يخلقهم فعلم منهم أنّهم أولياؤه وأحباؤه وأصفياؤه ، وهو الذي لذلك أهلهم ، ولم يزل بعد راض عنهم لسابق اصطفائه لهم ، وإن كان بعضهم معرضا عنه زمانا ومشتغلا بغيره أحيانا ، فمنهم من أنشأه برا طاهرا وأحسن شأنه باطنا وظاهرا ، ثم أقامه على أكمل الطاعات إلى أن قبضه إليه ، ومنهم من أنشأه كافرا ودون ذلك أو قضى ببعض الذنوب عليه كذلك ، فلما جاء أجل التوبة عليهم جرت الخيرات مسرعة إليهم فكشف لهم مولاهم عن قلوبهم صداها ، وأنزل فيها نور هداها ، ففتحوا أبصار القلوب ومدّوها إلى علّام الغيوب ، وأدركهم الخجل والحياء ، وحل فيهم الخوف والرجاء وعندها رفع لهم الكريم مولاهم علما من أعلام التوبة أولاهم ، فقصدوا إليه طائرين حتى بلغوا إليه راضين راغبين بصدق النيات والقلوب ، فباؤوا إليه بالذنوب ، فأقاموا به حتى عرفوه ، وأنسوا به وألفوه . انتهى
أقول : واللّه ولي السول يعني نفعنا اللّه به أنهم تمكنوا في مقام التوبة ثم أشرفوا منها على عدة أعلام فبنوها بالاهتمام ، وسموا إليها بنهضتهم طمعا في كمال توبتهم فارتقوا منها إلى غنم منها بالتوبة الصادقة من كل جريمة عرفوها أو لاحقة حتى عادت لذنوبهم حالقة ، ثم على علم منها فأدوا المظالم ، وعزموا على ترك الذنوب والمحارم ، ثم إلى علم باجتناب الشهوات وترك الحظوظ والمألوفات مع سائر ما يولد الآفات ، ثم إلى علم منها أزهر مضى بنور أقمر ، فأيقنوا هنالك إيمانهم ، وأحسنوا به إسلامهم ، ثم إلى مثله فعرفوا به صدق نيتهم بالدليل ، فأشرفوه وأحسنوا قبولهم منه واتبعوه ، فهنالك عرفوا فضل أصحاب الرسول وحق أزواجه وأولاده المرشدين من الفحول ، فعرفهم اللّه تعالى بنفسه في سائر المقامات بدلائل الخلق والآيات البينات أعني نقلهم الحق سبحانه من الاعتقاد إلى العلم بالأدلة والبراهين ، فنالوا درجة الموقنين ، وهم في ذلك ينظرون بعين الاعتبار إلى خلق العزيز الجبار ، وأنّ منهم كيسا مستعملا وعاجزا مستكسلا ، ومدققا سديدا ، وعالما سعيدا ، فعلموا أنّ اللّه هو المعطي والمانع ، وهو الضار والنافع منه مصدر الأشياء جميعا ، وإليه يعودون ذريعا ، ووجدوه ملجأ لحاجتهم ، ورجوه لتمام توبتهم ، فرغبوا في ذلك إليه ، وخضعوا بالذل لديه ، فألهمهم التفكر في ملكوته في خلق أرضه ، وسماواته ، وما أودع بينهما من عجائب خليقته الدالة على وحدانيته في ملكه وربوبيته ، ثم اعتبرو أفضل أحبابه وأوليائه وأصفيائه ، وكيف جعل فيهم من كرامته مما يميزهم به على الوجه الذي يدلهم على ذلك ، ويبلغهم إلى ما هنالك فطلبوا بذلك الأخلاق المرضية ، والشيم