فإنّه قال :
قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي
[ طه : 25 ] الآية سأله ذلك لما لقيه عند اجتماعه بفرعون وما يعرفه من غلظته كما قال في محل آخر :
إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى
[ طه : 45 ] ( وكان نبينا صلى اللّه عليه وسلم مرادا فقال اللّه : ) أي فإنّ اللّه ( تعالى ) قال له :
( أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ )
[ الشرح : 1 - 4 ] أي شرحناه لك بالنبوّة وغيرها فشرحه له ، ولم يسأله فيه ، ( وكذلك قال موسى عليه السلام ) لما تقدم له من سماع الكلام الأزليّ ، ونيل تلك الحالة العظيمة : (
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ : لَنْ تَرانِي
) [ الأعراف : 143 ] سأله الرؤية لكمال النعمة ، فأعلمه أنّه لا قدرة له عليها ( وقال لنبينا صلى اللّه عليه وسلم :
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ
[ الفرقان : 45 ] ، فرآه ولم يسأله وكان أبو علي يقول : أنّ المقصود ) بالاستدلال ( قوله : ألم تر إلى ربك وقوله : كيف مدّ الظل ستر للقصة وتحصين للحالة ) أي لحالة الرؤية وظاهر أنّ الآية ليست صريحة في أنّه رآه لاحتمال أنّ المراد ألم تر إلى فعل ربك وقد اختلفوا في رؤيته ليلة المعراج والصحيح أنّه رآه ، وبالجملة فهو صلى اللّه عليه وسلم أفضل الخلق وإن لم تدل الآية على رؤيته ، وأما قوله : « لا تفضلوا بين الأنبياء » « 1 » وقوله : « لا تفضلوني على يونس بن متى » « 2 » ونحوهما فأجيب عنها بأنّه نهي عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص بعضهم أو عن تفضيل في نفس النبوّة التي لا يتفاوت فيها لا في ذوات الأنبياء المتفاوتين بالخصائص ، وقد قال
شرح
والغرض بيان فضيلة سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم على سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام بأنّ نبينا منح المطالب العالية بدون طلب منه لفنائه في مرادات ربه ، ولم يكن كذلك موسى .
( قوله : وكان أبو عليّ يقول : الخ ) محصله أنّ المقصود حمله صلى اللّه عليه وسلم على الإقرار بالرؤية الثانية ، وقوله : كيف مد الظل من قبيل ستر القصة عن غير الأهل لأجل تحصين حالته عليه الصلاة والسلام عن المعارضات الباطلة .
( قوله : لاحتمال الخ ) أقول : التقدير خلاف الظاهر وإن كان محتملا . ( قوله :
والصحيح أنّه رآه ) أي بعيني رأسه بلا كيف . ( قوله : عن تفضيل يؤدّي الخ ) أي لأنّه حينئذ
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في ( الصحيح 4 / 194 ) ومسلم في ( صحيحه الفضائل ب 42 رقم 159 ) والطحاوي في ( مشكل الآثار 1 / 452 ) والقاضي عياض في ( الشفا 1 / 439 ) ، والبغوي في ( شرح السنة 13 / 204 ) والبيهقي في ( دلائل النبوة 5 / 492 ، 493 ) والمتقي الهندي في ( كنز العمال 32373 ) ( ومناهل الصفا 22 ، 35 ) والعلي الغفار في ( مختصر العلو 108 ) .
( 2 ) أخرجه القاضي عياض في ( الشفا 1 / 265 ) والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 2 / 105 ) و ( مناهل الصفا 22 ) .