( الذي نصب بعين التعب وألقى في مقاساة المشاق والمراد ) هو ( الذي كفى بالأمر من غير مشقة فالمريد ) على هذا ( متعن ، والمراد مرفوق به مرفه ) ويعبر عن هذا بأنّ المريد هو المتعنى في السلوك ، والمراد هو الملطوف به المعان ، ( وسنة اللّه تعالى مع القاصدين ) رضي اللّه عنهم ( مختلفة فأكثرهم يوفقون ) أولا ( للمجاهدات ) في سلوكهم ( ثم يصلون بعد مقاساة اللتيا والتي ) هما اسمان للداهية قاله الجوهري : ( إلى سنى المعالي ) أي رفيعها ( وكثير منهم يكاشفون ) بفتح الشين ( في الابتداء بجليل المعاني ) أي عظيمها بما يخلقه اللّه في قلوبهم من المعرفة والشوق ( ويصلون إلى ما لم يصل إليه كثير من أصحاب الرياضات ، إلا أنّ أكثرهم يردّون إلى المجاهدات بعد هذه الإرفاق ) جمع رفق ( ليستوفي منهم ما فاتهم من أحكام أهل الرياضة ) ليس مراده أنّهم يردون إلى ما خرجوا منه من الأخلاق الذميمة والأعمال الشاقة بل مراده أنّهم يلقون في مقاماتهم العالية من المجاهدات ، وملازمة الآداب ، والامتحان في ذلك ما لقيه أرباب البدايات في بدايتهم ، فإنّ كل مقام عال لا بد له من موانع تصد عنه . ( سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه اللّه يقول : ) في الفرق بين المريد والمراد ( المريد متحمل ) للمشاق لأنّه في طريق المجاهدات ( والمراد محمول ) عنه تلك المشاق ، ( وسمعته ) أيضا ( يقول ) في الفرق بينهما : ( كان موسى عليه السلام مريدا فقال : ) أي
شرح
بالعادات والمألوفات ، والمراد هو الفاني عن النفس وعن عاداتها ومألوفاتها وبذلك كان مرفوقا به تسهل عليه المكابدات والمجاهدات بخلاف المريد كما لا يخفى .
( قوله : وكثير منهم الخ ) أي والسبب في ذلك مجرد العناية الإلهية لحكمة يعلمها اللّه تعالى . ( قوله : لابد له من موانع ) أي فيستعين عليها صاحب المقام بالمجاهدات .
( قوله : المراد محمول ) أقول : وسبب ذلك أنّه آثر اللّه تعالى على ما سواه ، فاستحق الإعانة منه تعالى على مقاصده ، وسبب ذلك الإيثار غرس اللّه محبته في سويداء قلبه إذ حقيقة المحبة أخذ جمال المحبوب لحبة القلب حتى لا يبقى فيه بقية لغيره في حال من الأحوال ، ولذا قال بعضهم : المحبة الإيثار مع دوام الحنين إلى المحبوب ، فالولي هو العارف باللّه الفاني فيه المحب له ، فمن ليس له نصيب من هذه فليس له في الولاية من نصيب .
( قوله : كان موسى الخ ) منه يعلم أنّ العبرة بعناية الحق بعبده لا بعلو الهمة والقصدإِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ[ هود : 107 ]يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ[ آل عمران : 74 ] قال أبو العباس في بعض مناجاته : يا قريب أنت القريب ، وأنا البعيد قربك مني آيسني من غيرك ، وبعدي عنك ردني للطلب منك ، فكن لي بفضلك حتى تمحو إراداتي بإرادتك يا قوي يا عزيز ا ه .