أحمد رحمه اللّه قال : أخبرنا أحمد بن عبيد قال : حدثنا أحمد بن عمر قال : حدثنا محمد بن مرداس قال : حدثنا يوسف بن عطية عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « الصبر عند الصدمة الأولى ثم الصبر » ) أولا وبالذات على قسمين ، وثانيا وبالعرض ( على ) ثلاثة ( أقسام صبر على ما هو كسب للعبد وصبر على ما ليس بكسب له فالصبر على ) الشيء ( المكتسب ) له ( على قسمين صبر على ما أمر اللّه تعالى به ) من واجب ومندوب ( وصبر على ما نهى عنه ) من حرام ومكروه ( وأما الصبر على ما ليس بمكتسب للعبد ، فصبره على مقاساة ما يتصل به من حكم اللّه ) تعالى عليه ( فيما ) له ( فيه مشقة ) من الآلام والأسقام في نفسه وولده وخادمه ونحوها . ( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلميّ رحمه اللّه يقول :
سمعت الحسين بن يحيى يقول : سمعت جعفر بن محمد يقول : سمعت الجنيد يقول : المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن ) وإن كانت فيه صعوبة ما من حيث فراق محبوبه من ولده ونحو ذلك لكمال الجزاء لأنّه تعالى وعد به لمن
شرح
في نفسه أو في ولده أو في ماله ، وصبر وقت الابتلاء ولم يجزع ولم يشك لأحد شكوى ضجر كان صبره من أكمل الصبر ، وجزاؤه من أعظم الجزاء ، واللّه الموفق .
( قوله : عن أنس بن مالك الخ ) أي وقد روى الترمذي يرفعه إلى أبي سعيد الخدري أنّ ناسا من الأنصار سألوا النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « فأعطاهم » ثم سألوه فأعطاهم ثم قال : « ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم ، ومن يستغن يغنه اللّه ، ومن يستغفف يعفه اللّه ومن يتصبر يصبره اللّه ، وما أعطي أحد شيئا هو خير وأوسع من الصبر » وقال فيه حديث حسن صحيح ، ورواه مالك في الموطأ يرفعه إلى أبي سعيد . ( قوله : ثم الصبر أولا وبالذات الخ ) حاصله أنّه حبس النفس على فعل الطاعات ، واجتناب المحرمات هذا هو كسب العبد ثم حبسها على الرضا بما يجريه الحق تعالى من أحكامه التي لا تلائم النفس .
( قوله : أولا وبالذات ) مراده أنّ القسمة باعتبارات الصبر في أوّل النظر ثنائية ، وباعتبار ما يعرض لأحد القسمين ثلاثية ، وذلك واضح . ( قوله : على قسمين ) أي وحكمه باعتبار ما أضيف إليه فتعتريه الأحكام ، واعلم أنّ درجات المندوب منه متفاوتة كما لا يخفى على من تأمله . ( قوله : المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل ) أي بشاهد علم النقل والعقل .
( قوله : وإن كانت فيه صعوبة ما الخ ) يظهر منه حمله على انتقال العبد بالموت من الدنيا ، وهو الأظهر وإن تبادر من كلام الشارح خلافه ( واعلم ) أنّ درجات الصبر متفاوتة على حسب تفاوت المعرفة باللّه تعالى وعظمته وجلاله ، والمعرفة بالآخرة ، وتفصيل ما أعده اللّه فيها للصابرين والمعرفة بفوائد الصبر وثمراته في الدنيا ، وما يدخل به على القلوب من الراحات ، وما يصرف به عنها من الهموم وأنواع الجزع ، وغير ذلك .