كان قادرا على أن يحفظ هذا من الوقعة في البئر لكنه أوقعه فيها ليظهر تحقق توكله عليه ، ولهذا لم يصح في البئر حين سد رأسها مع أنه كان متمكنا من إزالة البارية عن رأسها بلا كلفة إن تعين عليه الطلوع . ( سمعت محمد بن الحسين رحمه اللّه يقول :
سمعت منصور بن عبد اللّه يقول : سمعت أبا سعدان التاهرتي ) بفتح الهاء وإسكان الراء ( يقول : سمعت حذيفة المرعشي يقول : وكان قد خدم إبراهيم بن أدهم وصحبه فقيل له : ما أعجب ما رأيت منه ؟ فقال : بقينا في طريق مكة أياما لم نجد طعاما نأكله ، ثم دخلنا الكوفة فأوينا إلى مسجد خراب فنظر إليّ إبراهيم بن أدهم ، وقال : يا حذيفة أرى بك أثر الجوع قلت : هو ما رأى الشيخ فقال عليّ : ) أي جئني ( بدواة وقرطاس فجئت به فكتب ) في القرطاس ما يحقق مقام التوكل مع تعاطي الأسباب وهو ( بسم اللّه الرحمن الرحيم أنت المقصود إليه بكل حال ، والمشار إليه بكل معنى ) كما قيل : وظنوني مدحتهم جميعا . وأنت بما مدحتهم مرادي ( أنا حامد أنا شاكر أنا ذاكر ) . هذه مما أمر العبد بها ( أنا جائع أنا نائع ) أي عطشان ( أنا عاري ) هذه أي أضدادها مما يفتقر إليها العبد فيأتيه اللّه بها ( هي ) أي الأمور المذكورة ( ستة وأنا الضمين لنصفها ) . الأوّل بأمرك ( فكن ) أنت ( الضمين لنصفها ) الثاني ( يا جاري ) أي قريبا من المحسنين بمعنى كن مستمرّا على ذلك ، وإلا فهو تعالى قد ضمن لهم
شرح
المتابعات ، والمجاهدات تكون حياته ، فكانت حياة النفس ووجودها بفنائها ، ولذلك قال :وذا عجب كون الحياة مع الحتفتأمل المقام ومني عليك السلاملا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها[ البقرة : 286 ] .
( قوله : ليظهر تحقق توكله ) أي فهو من عناية ربه به رضي اللّه تعالى عنه . ( قوله : أنت المقصود بكل حال ، والمشار إليه بكل معنى ) يريد رضي اللّه تعالى عنه أنّ العبد على اختلاف أحواله بتقلبه في مظاهر الآثار تارة بعبارات ، وأخرى بإشارات ، مرجع عبارته ومركز إشاراته ذات بارئه تعالى وقوفا مع ظواهر المتابعات ، وعملا بواجب الأحكام الشرعيات ، فهي وإن ظنها القاصر رجوعا إلى الآثار المقصود منها نور الأنوار المتجلي بجلاله وجماله على أعين بصائر الاستبصار . ( قوله : وظنوني مدحتهم الخ ) معناه أنّ من وقف مع الظواهر ولم يترق إلى طهارة السرائر يظن أنّ ثناء غيره على الخلق غفلة عن الإله الحق ، وما دري أنّه لمظاهر الأسماء والصفات ، فهو في الحقيقة راجع إلى عين الذات فافهم .
( قوله : فكن أنت ) أي بطريق الفضل والإحسان . ( قوله : وإلا فهو تعالى الخ ) أي ففائدة الدعاء حينئذ الامتثال والتعبد لقوله تعالى :ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ[ غافر : 60 ] .
( قوله : فورب السماء والأرض إنّه لحق ) الضمير عائد على ما في قوله : « وما توعدون »