في سفر ومعه قرص فقال : إن أكلته مت ) جوعا ( فوكل اللّه تعالى به ملكا وقال : إن أكله فارزقه ) غيره ( وإن لم يأكله فلا تعطه شيئا ) غيره ( فلم يزل القرص معه إلى أن مات ) جوعا ( ولم يأكل ) شيئا ( وبقي عنده القرص ) فيه دلالة على التحذير من الحرص على الحاصل ، وأقبح الحرص حرص العبد على الشيء حتى لا ينتفع به في نفسه فضلا عن غيره من المحتاجين إليه كما هنا ، وفائدة هذه الحكاية أنّ الحق تعالى إنما ضمن الكفاية للمحتاجين ، وهذا قد أغناه بالقرص ، فاعتمد عليه فقد تسبب في إهلاك نفسه بحرصه عليه ، وفيه تنبيه على أنّ المتوكل يكون وثوقه بما في يد اللّه أوثق مما في يديه ، ( وقيل : من وقع في ميدان التفويض يزف إليه المراد ) أي مراد اللّه الذي له فيه صلاح ، وهو يريد كل ما أراده اللّه ، فما أراده اللّه فهو مراده بتوفيق اللّه له فيزف إليه ( كما تزف العروس إلى أهلها ، والفرق بين التفويض والتضييع ، إنّ التضييع في حق اللّه تعالى ) بأن يترك العبد ما أمره اللّه به ، أو يفعل ما نهاه عنه ( وذلك مذموم ، والتفويض في حقك ) أيها العبد لأنّه إنما يكون فيما لم يأمرك اللّه به ، ولم ينهك عنه بل أباحه لك ، وخيرك فيه ، فلا تعرف مصلحتك فيه فتضيفها لمن يعرفها ( وهو محمود ) كما علم . ( وقال عبد اللّه بن المبارك : من أخذ فلسا من حرام فليس بمتوكل ) مطلقا لأنّه فوت التوكل الواجب والمندوب . ( سمعت محمد بن عبد اللّه
شرح
في الزمن الأوّل الخ ) فيه تنبيه على أنّ الحذر لا يمنع القدر ، ومن اعتمد على شيء وكّل إليه ، فاللّه تعالى يجعل اعتمادنا في كل شيء عليه .
( قوله : أوثق مما في يديه ) أقول : بل الكمال في عدم الوثوق بما في يد العبيد أصلا بشهود أنّ اللّه تعالى يفعل ما يريد . ( قوله : وقيل : من وقع في ميدان التفويض الخ ) أي بواسطة فنائه عن جميع ما له من المرادات تحقق بأسباب السعادات ، وترقيا إلى درجة أرباب العنايات ، فمراده فان في مراد الحق وهمته عالية في طريق الصدق . ( قوله : يزف إليه المراد الخ ) أي لأنّ المقدر لا بدّ من أنّه يكون ، ومع شرف المقاصد يكون فوق ما تدركه الظنون ، وفي ذلك إشارة إلى راحة سره وهنائه بطرح نفسه في أحكام عبوديته .
( قوله : والفرق بين التفويض الخ ) الغرض من ذلك إفادة أنّ التفويض المطلوب فيما أباحه الحق تعالى لعبده من المرادات لا فيما طلبه منه من العبادات والطاعات ، ولا فيما نهاه عنه من أسباب الهلكات ، فترك ذلك بزعم التفويض تضييع وتعرّض للهلاك والذم الفظيع . ( قوله : بل أباحه لك ، وخيرك فيه ) أي مما خفي عنك وجه المصلحة فيه أخدا ، أو تركا ، فحينئذ يلزمك أن ترجع فيه عن مرادك لمراده ، وعن اختيارك لاختياره قال تعالى :وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ[ القصص : 68 ] وقال صلى اللّه عليه وسلم :
« لو اطلع أحدكم على الغيب لاختار الواقع » . ( قوله : لأنّه فوت التوكل الواجب