المعتمدين عليّ
لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا
[ الإسراء : 65 ] .
( سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن الحسن المخزوميّ يقول : حدّثنا أحمد بن محمد بن صالح قال : حدّثنا محمد بن عبدون قال : حدّثنا الحسن الخياط قال : كنت عند بشر الحافي فجاءه نفر فسلموا عليه فقال : من أين أنتم قالوا : نحن من الشام جئنا لنسلم عليك ؛ ونريد الحج فقال : شكر اللّه تعالى لكم فقالوا ) له ( تخرج معنا فقال : ) أخرج ( بثلاث شرائط ) أحدها ( لا نحمل معنا شيئا ) من الزاد ( و ) ثانيها ( لا نسأل أحدا شيئا و ) ثالثها ( إن أعطانا أحد شيئا لا نقبله فقالوا ) له ( أما أن لا نحمل فنعم ، وأما أن لا نسأل فنعم وأما أن لا نقبل إن أعطينا ، فهذا لا نستطيعه فقال ) لهم :
( خرجتم متوكلين على زاد الحجيج ) لأنّهم إذا رأوكم لا تحملون زادا علموا حاجتكم فأعطوكم ( ثم قال ) لي بشر ( يا حسن الفقراء ثلاثة فقير لا يسأل وإن أعطي لا يأخذ ، فذاك من جملة الروحانيين ) بضم الراء ، وهو من ارتفعت همتهم عن الخلق وعاشوا بدوام ذكرهم لمولاهم ، ( وفقير لا يسأل ، وإن أعطي قبل فذاك مما يوضع لهم موائد في حظائر القدس ) أي الطهر فقلبه مطهر من التدنس بالأغيار ناظر إلى ما يجريه اللّه عليه بحسن الاختيار ، ( وفقير يسأل ) عند الحاجة ( وإن أعطي قبل قدر الكفاية فكفارته ) أي كفارة سؤاله ( صدقه ) بأن لا يسأل حتى يصدق في جوعه واحتياجه وعلامة صدقه فيهما أن يأخذ ما تندفع به ضرورته في وقته ، وفيما قاله دليل على اختلاف مقامات المتوكلين . ( وقيل لحبيب العجمي : لم تركت التجارة ؟ فقال :
وجدت الكفيل ) برزقي ( ثقة ) وهو رزق في طيب لا شبهة فيه ولا منة ، وهو مضمون على اللّه بقوله :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
[ هود : 6 ] فما دام العبد حيا لا بد له من رزق إما قوت ، أو كفاية وقوّة كما مرّ ، ( وقيل : كان في الزمن الأوّل رجل
شرح
يعنيه . ( قوله : الفقراء ثلاثة الخ ) أقول الأوّل مقامه التسليم ، والثاني التفويض ، والثالث مطلق التوكل ، وهي مرتبة في الفضيلة على هذا الوجه فأعلاها الأوّل ، ثم الثاني ، ثم الثالث . ( قوله : وعاشوا بدوام ذكرهم الخ ) أي فقوتهم بالذكر ، وحياتهم بالفكر . ( قوله :
وفقير لا يسأل ) أي بسبب عزته باتصافه بمقام التفويض لما يجريه العليم الحكيم . ( قوله :
فقلبه مطهر الخ ) أي حيث لم يؤمل غير مولاه ، ولم يتطلع إلى ما سواه ، فلذلك كان جزاؤه من جنس عمله ، وشرفه من مصدر أمله . ( قوله : فكفارته الخ ) يشير إلى أنّ مثل هذا من النقص الذي له جابر ، فهو به بعيد عن نيل هاتيك الحظائر بذوق خبر : « اليد العليا خير من اليد السفلى » ،وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ[ آل عمران : 74 ] .
( قوله : وقيل لحبيب العجمي : الخ ) ليس الغرض من ذلك ذم تعاطي الأسباب بل الإشارة إلى ترقي الأحباب بانقطاعهم إلى شهود تصاريف رب الأرباب فافهم . ( قوله : وقيل : كان