الزاد مع زعمه التمكن في التوكل ، والثانية قولها له ، أنت تاجر إلى آخره ، وإعانتها له على حالها بما أعطته له من الدراهم . ( ويحكى عن بنان ) أيضا ( أنّه احتاج إلى جارية تخدمه فانبسط إلى إخوانه ) في تحصيلها له ( فجمعوا له ثمنها وقالوا : هو ذا ) وحيث ( يجيء النفر ) الذين يبيعون الجواري ( فنشتري ) لك منهن ( ما يوافقك فلما ورد ) علينا ( النفر ) و ( اجتمع رأيهم على واحدة وقالوا إنها تصلح له فقالوا لصاحبها : بكم هذه ؟
فقال : إنّها ليست للبيع فألحوا عليه ، فقال : إنّها لبنان الحمال أهدتها إليه امرأة من سمرقند ، فحملت إلى بنان وذكرت له هذه القصة ) في ذلك دلالة على أنّ اللّه تعالى يعتني بمن توكل عليه ، ويقضي له حوائجه ، وهو لا يشعر وفاء بقوله تعالى :
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً
[ الطلاق : 2 ] فلما علم تعالى حاجة بنان إلى من يخدمه لعجزه ، وعلم بذلك أصحابه واشتغلوا بتدبير أمره ، ألقى اللّه في قلب تلك المرأة بسمرقند إرسال هذه الجارية إليه ، وأعظم فوائد التوكل سلامة المتوكل من نزغات الشيطان ، فإنّ اللّه تعالى أخبر عدوّه بذلك حيث قال له : بعد قوله له :
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ
[ الإسراء : 64 ] إلى آخره إن عبادي أي خواصي
شرح
ما سبق من وجوب مراعاة حدود اللّه بالوعد على الإتقاء عن تعديها كما أنّ ما تقدّم من قوله تعالى :وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ[ الطلاق : 1 ] مؤكدة له بالوعيد على تعديها ، فالمعنى حينئذ ومن يتق اللّه ، فطلق للسنة ولم يضارّ المعتدة ، ولم يخرجها من مسكنها ، واحتاط في الأشهاد وغيره من الأمور يجعل له مخرجا مما عساه يقع في شأن الأزواج من الغموم ، والوقوع في المضايقوَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ[ الطلاق : 3 ] أي من وجه لا يخطر بباله ولا يحتسبه ، ويحتمل أن يكون كلاما جيء به على نهج الاستطراد عند قوله تعالى :ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ[ الطلاق : 2 ] فيندرج فيه ما نحن فيه اندراجا أوليا ، وعنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قرأها فقال : « مخرجا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة » « 1 » وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم ، ومن يتق اللّه » الخ ، فما زال يقرؤها ويعيدها ، وروي أن عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابنه سالما فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال : أسر ابني وشكا إليه الفاقة ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « اتق اللّه وأكثر لا حول ولا قوّة إلا باللّه العلي العظيم » ففعل فبينما هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ، ومعه مائة من الإبل غفل عنها العدو فاستاقها ، وقوله تعالى :وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ[ الطلاق : 3 ] معناه كافيه في جميع أموره واللّه أعلم .
( قوله : سلامة المتوكل الخ ) أي بسبب تفويض أمره إلى باريه ، وتركه تدبير ما
هامش
( 1 ) أخرجه القرطبي في ( التفسير 18 / 160 ) .