لزمني في طاعة كافتراض لمن رآه محتاجا من الفقراء ( فاشتغل ) له ( قلبي فرأيت في النوم كأنّ قائلا يقول : يا بخيل أخذت علينا هذا المقدار خذ ) ولا تبالي ( عليك الأخذ ، وعلينا العطاء فما حاسبت بعد ذلك بقالا ولا قصابا ولا غيرهم ) الأولى غيرهما ، وذلك لأنّ من عامله عرف حاله ، وأنّه لا مال له ، وأنّ معاملته محض خير ، وإنما عامله على أنّه إذا فتح اللّه عليه بشيء أتاهم به ونبه في الرؤيا على أنّ اللّه تعالى إن لم يقض الدين عنه في الدنيا أرضى عنه أربابه في الآخرة لأنّه التزمه لوجهه ، وسماه بخيلا لأنّه خاف أن لا يقضي اللّه عنه دينه بغير سبب فكأنه بخل بمال غيره ، وهو أقبح البخل . ( ويحكى عن بنان الحمال ) أنّه ( قال : كنت في طريق مكة أجيء من مصر ومعي زاد فجاءتني امرأة ) وكانت مكاشفة أدبني اللّه بها لزعمي أني تمكنت في التوكل ، وقد حملت الزاد ( و ) ذلك أنّها ( قالت لي : يا بنان أنت حمال تحمل على ظهرك الزاد وتتوهم أنه لا يرزقك ) بدونه ( قال : فرميت بزادي ثم أتى عليّ ثلاث ) من الأيام ( لم آكل ) فيها شيئا ( فوجدت خلخالا ) بفتح الخاء ( في الطريق فقلت في نفسي :
أحمله حتى يجيء صاحبه فربما يعطيني شيئا فأرده عليه ، فإذا أنا بتلك المرأة فقالت لي : أنت تاجر تقول ) في الخلخال : ( حتى يجيء صاحبه فآخذ منه شيئا ) وأدفع له خلخاله ولم لا تدفعه للّه فلا تأخذ منه شيئا ( ثم رمت إليّ شيئا من الدراهم وقالت :
أنفقها ) على نفسك ( فاكتفيت ) أي فأخذتها واكتفيت ( بها إلى قريب من مكة ) وفي نسخة من مصر ، فأدب بنان مع علوّ رتبته مرتين بالمرة الأولى إنكارها عليه حمل
شرح
حاسبت بعد ذلك الخ ) المراد أنّه ما أشغل نفسه بعد ذلك بطريق الوفاء اعتمادا على ما تكفل به الحق تعالى ، وإلا فالواجب على كل مكلف أن يحاسب نفسه على حق غيره ليوفيه عند القدرة عليه ، وهذا أولى مما أشار له الشارح نفعنا اللّه ببركات علومه .
( قوله : الأولى غيرهما ) أي مع أنّه يمكن إجراؤه على رأي من يقول : إنّ الجمع ما فوق الواحد . ( قوله : وذلك ) أي وجه عدم محاسبته بعد ذلك بقالا ولا قصابا ، ومحصله أنّ من عامله متساهل في حقه لعلمه حاله ، فلم يكن هذا الدين كغيره لابتنائه على المساهلة ، وحينئذ فلو بخل به كأنه بخل بمال غيره كما ذكره الشارح .
( قوله : ويحكى عن بنان الخ ) فيه تنبيه على أنّ الفضل لا يختص بذكر ولا أنثى ، وأنّ الكامل قد يؤدّب بغيره سواء كان أعلى أو أدون أو مساويا . ( قوله : ولم لا تدفعه للّه الخ ) مرادها رضي اللّه عنها حمله على علوّ الهمة ليكمل له شرف نفسه حتى يترقى إلى درجة قصر الأمل عليه تعالى .
( قوله : ومن يتق اللّه يجعل له مخرجا الخ ) يحتمل أنها جملة إعراضية مسوقة لتأكيد