يوسف عليه السلام على الوهلة ) أي : البغتة ( ألم قطع الأيدي وهن أضعف الناس ) عن تحمله ( وقلن ما هذا بشرا ولقد كان بشرا ، وقلن إن هذا إلا ملك كريم ) لما حواه من الحسن الذي لا يكون عادة في البشر ( ولم يكن ملكا فهذا تغافل ) أي غفلة ( مخلوق عن أحواله عند لقاء مخلوق ) آخر منازعته بيسير من الكمال والجمال ، ( فما ظنك بمن تكاشف ) بفتح الشين ( بشهود الحق سبحانه ) المنزه عن الأشياء والأمثال المنفرد بصفات الكمال والجلال ( فلو تغافل ) أي غفل ( عن إحساسه بنفسه وأبناء جنسه فأي أعجوبة فيه ) إذا تقرّر ذلك ( فمن فني عن جهله بقي بعلمه ، ومن فني عن شهوته بقي بإنابته ، ومن فني عن رغبته بقي بزهادته ، ومن فني عن منيته ) أي : طلبته ( بقي بإرادته تعالى وكذلك القول في جميع صفاته ، فإذا فني العبد عن صفته بما جرى ذكره ) من الصفات الجليلة ( يرتقي عن ذلك بفنائه عن رؤية فنائه ) لأنه إذا فني عن الأغيار فتارة يكون ذاكرا لفنائه وتارة يقوى شهوده وشغله بمن استغرق فيه حتى لا يحس بفنائه لعدم ذكره أحوال نفسه ، وهذا فناء الفناء فإنه فناء عن فنائه ( وإلى هذا )
شرح
( قوله : يسير من الكمال والجمال ) أي بالنسبة إلى الحق ، بل والنسبة إلى أفضل الخلق صلى اللّه عليه وسلم . ( قوله : فما ظنك الخ ) أقول وأكمل من هذا من شرب خمر الحقيقة ممزوجا بماء الشريعة فكان صحوه حافظا عن تعدّي حده كما قيل :ومن فهم الإشارة فليصنها * وإلا سوف يقتل بالسنان
كحلاج المحبة إذ تبدّت * له شمس الحقيقة بالتداني
فقال أنا أنا الحق الذي لا * يغير ذاته مر الزمانوذلك لأن مثل من ذكرناه يعطي كل ذي حق حقه .
( قوله : عن تكاشف ) أي بمن أزيلت عنه الحجب بواسطة سابق عناية الحق به تعالى . ( قوله : فمن فني عن جهله الخ ) المراد أن كل من فني عن شيء فقد تحقق بضدّه .
( قوله : فإذا فني العبد عن صفته ) أي عن كل صفة له بمقتضى الطبع فصفة مفرد مضاف يعم جميع الصفات البشرية . ( قوله : فتارة يكون ذاكرا لفنائه ) وذلك لوجود بعض إحساسه كما يكون في مقام الجمع وقوله : وتارة يقوى شهوده الخ أي كما في حالة مقام جمع الجمع ، فبغلبة أنوار مشاهد حقيقة الحقائق تحصل الغيبة الكلية عن سائر المكونات الخلقية . ( قوله : وقوم تاه في أرض الخ ) أي هيموا بحبه في حالة التخلي عن الخلق في الفلوات والصحارى ، وقوم تاه في ميدان حبه أي باستهلاكهم وانمحاقهم في حبه العظيم الذي لا تقاومه قدرهم وطاقاتهم ، فهم في هذه الأحوال قانون عن الخلق ، وعن أنفسهم وإن خالطوا غيرهم في المكان بعدم الانفراد عنهم ، وقوله : فافنوا الخ يريد الإشارة إلى درجات الفناء كما أوضحه .