حاله واستغراقه في خوفه ، فهو حاضر بقلبه مع المخوف غائب عن كل مألوف ، ( فلما أفاق سئل عن ذلك فقال : تذكرت كون أهل النار في النار ، فهذه غيبة زادت على حدّها حتى صارت غشية ، وروي عن علي بن الحسين ) رضي اللّه عنه ( أنه كان في سجوده فوقع حريق في داره ) ووقعت حركة وضجة عظيمة لذلك على العادة ( فلم ينصرف عن صلاته فسئل عن حاله فقال ألهتني النار الكبرى عن هذه النار ) باعتبار ما ورد عليه من الآيات التي فيها ذكر النار فغاب عما جرى من الحريق . ( وربما تكون الغيبة ) من العبد ( عن إحساسه ) بنفسه وغيره لاشتغاله ( بمعنى ) أي : بوارد ( مكاشف به من ) قبل ( الحق سبحانه ثم إنهم ) أي : من يرد عليهم الوارد ( مختلفون في ذلك على حسب أحوالهم ) فقد يكون الوارد وارد تعظيم وإجلال ، وقد يكون وارد إعطاء وإفضال ، وقد يكون وارد استصغار نفس وعمل واستقلال ، وقد يكون وارد بسط وإدلال وقد يكون وارد عزة فيورث ذبولا واضمحلالا . ( ومن المشهور أن ابتداء حال أبي حفص النيسابوري الحدّاد ) أي : السبب ( في تركه الحرفة أنه كان على ) بمعنى في ( حانوته فقرأ قارىء آية من القرآن فورد على قلب أبي حفص وارد ) وجد به وجدا بحسب ما فتح اللّه به ، واستغرق فيه حتى ( تغافل ) أي : غفل به ( عن إحساسه فأدخل يده في النار وأخرج الحديدة المحماة بيده ، فرأى تلميذ له ذلك فقال : يا أستاذ ما هذا فنظر أبو حفص إلى ما ظهر عليه ) من الكرامة ( فترك الحرفة وقام من حانوته ) خشية الفتنة . فالربيع بن خيثم كان وارده الخوف من النار ، وهذا كان وارده يشغله عن الخوف من النار . ( وكان الجنيد قاعدا وعنده امرأته ، فدخل عليه الشبلي ، فأرادت امرأته أن تستتر ) من الشبلي ( فقال لها الجنيد لا خبر للشبلي منك ) أي : لا علم له بك
شرح
( قوله : وربما تكون الغيبة الخ ) لا يغاير ما قبله ، بل هو أعم منه إذ ما يكاشف به العبد من الواردات كثيرة أنواعه فكل عبد يكاشف بما يليق بحاله من وارد دواء أو شفاء أو ترق إلى حال أو وصول إلى مقام وذلك على حسب التقدير الأزلي والحكمة الباهرة في تصاريف الحق سبحانه وتعالى . ( قوله : ثم إنهم مختلفون ) أي بحسب قوّة المجاهدة لأن بها وعلى حسبها تكون المشاهدة وذلك بشهادة خبر : « من عمل بما علم ورثه اللّه علم ما لم يعلم » ، ولذا نقل عن السيد الشريف أبي الحسن المغربي أنه قال : « كنز خفي تحت جدارك ، وأنت تطلبه من بيت جارك » ، فافهم . ( قوله : فقد يكون الوارد الخ ) مراده أن الوارد يتنوّع ، فقد يكون من مجالي الجلال ، وقد يكون من بساط الجود والجمال .
( قوله : خشبة الفتنة ) يحتمل أن المراد افتتانه بالشهرة بين الخلق بالكراهة ففر سترا لحاله وغيرة على أسراره ، ويحتمل أن المراد بها افتتان الغير به بوقوفه مع غير ربه .
( قوله : فالربيع الخ ) أقول صاحب الذوق الأوّل من الكاملين ، والثاني في مدارج المقربين . ( قوله : لا خبر للشبلي منك ) أي لما غلب على قلبه من سواطع أنوار الحقيقة ،