ما يجري من أحوال الخلق لاشتغال الحس بما ورد عليه ) بما هو أهم عنده مما هو فيه ( ثم قد يغيب القلب عن إحساسه بنفسه وغيره بوارد ) ورد عليه ( من تذكر ثواب أو تفكر عقاب ) أو شوق لمحبوب فيستغرق قلبه فيه حتى لا يلتفت لما سواه ولا يحس بمن حضره ، فيكلم فلا يسمع ويمر به فلا يشعر . ( كما روي أن الربيع بن خيثم رحمه اللّه كان يذهب إلى ابن مسعود رضي اللّه عنه فمرّ بحانوت حدّاد فرأى الحديدة المحماة في الكير فغشي عليه ) لتذكره خروج المذنبين من النار أو عند حالهم فيها ( ولم يفق إلى الغد ) مع أنه ينادي كل صلاة يا ربيع يا ربيع ، فلا يسمع ولا يعقل لغلبة
شرح
يستهلك فيها عن الالتفات إلى غيرها ، ويدل لذلك أن سيد كمل المرسلين ، ومختار رب العالمين أصبح ليلة الإسراء يدعو قومه بدون تأثر يظهر مما شاهده من عجائب لطف اللّه تعالى بخلاف سيدنا الكليم عليه ، وعلى نبينا الصلاة والتسليم ، فإنه تبرقع شهرا لما وقع له من التأثر بالتكليم ، فتدبر حكمة الحكيم العليم تفهم سر فرق المقامين ، ورفعة درجة أحد اليدين . ( قوله : لاشتغال الحس بما ورد عليه ) أي وذلك لأن الوارد قد يأتي من رب قهار على بساط القهر فكل شيء يصادفه لا يمكنه ثبات معه ، فلا بقاء لرسوم الخلق مع ظهور آثار الحق لأنه إذا قورن الحادث والقديم تلاشى الحادث وبقي المولى القديم .
( قوله : ثم قد يغيب القلب الخ ) أي القلب المقدس عن رجس البشرية الذي يقال له مستوى الاسم الأعظم والبيت المحرم ويقال له أيضا البرزخ لكن لا يقال ذلك إلا لقلب الإنسان الكامل المقول فيه : « ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن » ، واعلم أنه قد أفصح صاحب الحكم عن هذا الرمز حيث قال : إن كنت بعين القلب تنظر إلى أن اللّه تعالى واحد في منّته فالشريعة تقتضي أنه لا بدّ من شكر خليقته ، وإنّ الناس في ذلك على ثلاثة أقسام غافل منهمك في غفلته قويت دائرة حسه ، وانطمست حضرة قدسه ، فنظر الإحسان من المخلوقين ، ولم يشهده من رب العالمين ، أما اعتقادا فشركه جليّ ، وأما استنادا فشركه خفيّ وصاحب الحقيقة غاب عن الخلق بشهود الملك الحق ، وفني عن الأسباب بشهود مسبب الأسباب ، فهو عبد مواجه بالحقيقة ظاهر عليه سناؤها سالك للطريقة قد استولى على مداها غير أنه غريق الأنوار مطموس الآثار قد غلب سكره على صحوه وجمعه على فرقه وفناؤه على بقائه وغيبته على حضوره ، وأكمل منه عبد شرب ، فازداد صحوا وغاب فازداد حضورا فلا جمعه يحجبه عن فرقه ، ولا فرقه يحجبه عن جمعه ، ولا فناؤه عن بقائه يعطي كل ذي قسط قسطه ، ويوفي كل ذي حق حقه إلى آخر ما قال رضي اللّه عنه .
( قوله : فغشي عليه ) الذي يظهر من باقي كلامه أنها غشية خوف منعت إحساسه لقوّتها فصارت كإغماء بسبب قوّة ما صادفه من مظاهر جلال الحق تعالى والخوف منه .